
العرش ما به كون ما لم يكن، وعلم ما لم يعلم. كل شيء حاصل في قوته بالصورة والتصور. تعيين صورته تصوير تصوره. فعله واقع بقوته في انفعاله. فالكائن به فيه هو. فيستحيل مزايلته له كالبحر، وموج تموجه الكائن فيه. منه حركة تكوين أكوانه. وسكونه إعدام ما تكون فيه بفعله. وهما عرضان عارضان لربه محكومان تحت ملكته المحكمة بإرادته المتحيزة. غيبه المجرد غائب في إحاطته المطلقة. فلا يزايل محموله. وفيه نظام الجواهر الغائبة. وهو المقول عليه : (الرحمن على العرش استوى ).
وغيبه المتعين في حيطته الشاملة بالصورة في مادة جوهره الخارج. هو المقول عليه : وسع كرسيه السموات والأرض. وفيه نظام الأجسام الكلية، والأركان المتولدة قسرا وطبعا بالقوالب النقلية. فهو المربع بالقوة لا بالفعل. جوهر العقل، وجوهر النفس الناطقة، وجوهر الصورة، وجوهر المادة. ومكانه غير موجود. ولأنه لو وجد فلا يخلو. إما أن يكون جوهرا فيفتقر إلى مكان، ويتسلسل. أو عرضا فيفتقر إلى محله. وتأخر عنه فالمتقدم واقع في غير مكان. فهو من الاعتبارات العقلية. وله أربع اعتبارات.
الأول : الخلاء
وهو امتناع الأين. والأين حصول المتحيز في الجهة، لا الجهة. لأنها من عوارضه. وليس الخلاء مركز الأجسام. هنا مركز الأجسام : العمق، الذي ينفذ فيه الجسم. ويقال عليه فراغ، وهواء. فجوهر العقل حاصل في الخلاء، وهو حقيقة الإحاطة المطلقة. فهو مع كل شيء. بعلمه يعلم الكليات لا الجزئيات الحاصلة في الخارج. ولما كان الواجب تعالى في خلاء، ولا ملأ، كان عالما بالكليات والجزئيات.