تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

71

فأما في النشب، فلم تزل لي بحمد الله تعالى وبقاء سيدنا بلغتان: بلغة صبر، وبلغة وفر، أنا منهما بين الليلة المرعية، واللقوح الربعية، هذه عام، وتلك مال وطعام، والقليل، سلم إلى الجليل، كالمصلي يريغ الضوء، بإسباغ الوضوء، والتكفير، بإدامة التعفير، وقاصد بيت الله يغسل الحوب، بطول الشحوب، وأنا في مكاتبة حضرة سيدنا الجليلة، والميل عن حضرة سيدنا الأجل والده - أعز الله سلطانه - كسبإ بن يعرب، لما ابتهل في التقرب، إلى خالق النور، ومصرف الأمور، نظر فلم ير أشرق من الشمس يدا، فسجد لها تعبدا.

72

وغير ملوم سيدنا لو أعرض عن شقائق النعمان الربعية، ومدائحه اليربوعية؛ مللا من أهل البلد المضاف إلى هذا الاسم؛ فغير معتذر، من أبغض لأجلهم بني المنذر، وهم إلى حضرته السنية رجلان: سائل، وقائل؛ أما السائل فألح، وأما القائل فغير مستملح،

73

وقد سترت نفسي عنها ستر الخميص، بالقميص؛ وأخي الهتر، بسجوف الستر، فظهر لي فضله الذي مثله مثل الصبح إذا لمع تصرف الحيوان في شئونه فخرج من بيته اليربوع، وبرز الملك من أجل الربوع، وقد يولع الهجرس، بأن يجرس، في البلد الجرد، قدام أسد ورد، وإني خبرت أن تلك الرسالة الأولى عرضت بالوطن الكريم، فأوجب ذلك رحيل أختها، متعرضة لمثل بختها؛ وكيف لا تنقع، وفي اليم تقع، وهي بمقصد سيدنا فاخرة، ولو نهيت الأولى لانتهت الآخرة.

74

وكتب إلى بعض أولياء السلطان يشفع في صديق له كان عاملا يعرف بالحسين بن عنبسة بن عبد الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

كتابي أطال الله بقاء سيدي الأستاذ مالكا خزائم الأمور، واطئا أعناق الدهور، عن حال تشكر، ونعمة لا تنكر، أنا معهما بالتقصير عن واجباته مقر، ولشرف أخلاقه مظهر ومسر، والحمد لله رب العالمين، وصلاته على صفوته المنتخبين .

75

وأحلف بالقسم العازم، والنذر اللازم، ما ذات طوق لا تنزعه، وبرد من الربيع ليست تخلعه، جاد الوسمي لها فأرنت، وبكت شجوها لا تغنت؛ عالية ذؤابة فنن غض، فهي لا في السماء ولا في الأرض، تكرر القيل، وتنطق الخفيف والثقيل، بأشوق إلى هديلها مني إلى مشاهدته، ولا آسف على خليلها من قلبي على فائت خدمته،

76

وإن عققت نفسي بترك المكاتبة، عقوق الضب ولده، والسارق يده، فإنما ذلك لهم واغل، وخطب شاغل، وتوخيا للتخفيف، وتنكبا عن التكليف، وإني لأصبو إلى لقائه صبابة العود إلى وطنه، وذي الشجن إلى شجنه، وأحن في خلال ذلك إلى مناجاته، حنين الشوارف إلى السقاب، والهوائف إلى ورود النقاب.

77

إذ كان ضيفه لا يبيت مبيت القفر، وغير جاره مرادسا خلب الجفر، وأنتشي أخباره الطيبة انتشاء الزهر، وأستافها كل عشي وسفر، ولي بها وجد الصادية، بماء الغادية، لا يزال يبهجني بها باكر مع الشارق، وآئب إياب الطارق، جعلها الله أبدا ضاحكة البشير، سارة للصديق والعشير.

78

وإني لأشتهر بمودته اشتهار الأبلق العقوق، وأستدل بمعرفته استدلال شائم البروق، ولو كتمتها نم بها الخلد نميمة الزجاج بالراح، والنخلة بنفسها في البراح، وكيف يستتر من قاد البازل، ويستسر من طوى المنازل، والنظرة من ذي علق كافية، والنهلة بعد طلق شافية،

79

وقد علمت أن الثاوي بساحته لا تسنح له الظباء، ولا يهتك عليه الخباء، ولا يصادفه ورد نطاة، ولا الشافعة لدائرة اللطاة؛ لكن ينام لأمنه نوم الجارية، عن سوم السارية، ويطرح الهموم فكرة اطراح الآبق إبالته، والمخفق حبالته، وأن نزيل غيره كالأشقر إن تقدم نحر، وإن تأخر عقر.

80

وكان سيدي أبو فلان لا يفتأ لهجا بما أولاه سيدي الأستاذ أدام الله عزه، وإنه بعنايته سلم، بعدما كلم، واستنقذ، بعدما وقذ؛ ولولا ذلك لعد جناة الرائد، وحصاة الذائد، ولسقي بكدر، وترك على مثل ليلة الصدر. فأنجاه الله جل اسمه على يديه من صفر الإناء، ومعر الفناء، فأضاف الله له الأجر الآجل، إلى الشكر العاجل. فقد منعه أن يجذ جذ الصليانة، ويقترف اقتراف الصربة، ويسقط سقوط ناب المخلف، ويلتمع التماع شفافة السعن البديع؛ وتلك عرى انعقدت، وأسباب توكدت. لما كانت عناية سيدي أيده الله منه على طرف الثمة، ودون القمة، فآنسه بين سمع البيد وبصرها، ومراشح العين لجآذرها، شراب بأنقاع، موقد ناره باليفاع:

فحول البلاغة · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فحول البلاغةص ٥٦