63
وقد تأملت شواهد إصلاح المنطق فوجدتها عشرة أنواع في عدة إخوة الصديق، لما تظاهروا على غير حقيق، وتزيد على العشرة بواحد، كأخ ليوسف لم يكن بالشاهد، والشعر الأول وإن كان سبب الأثرة، وصحيفة المأثرة، فإنه كذوب القالة، نموم الإطالة، وإن قفا نبك على حسنها، وقدم سنها، لتقر بما يبطل شهادة العدل الرضى، فكيف بالبغي الأنثى؟! قاتلها الله عجوزا لو كانت بشرية، كانت من أغوى البرية،
64
وقد تمادى بأبي يوسف رحمه الله الاجتهاد، في إقامة الأشهاد، حتى أنشد رجز الضب، وإن معدا من ذلك لجد مغضب؛ أعلى فصاحته يستعان بالقرض، ويستشهد بأحناش الأرض. ما رؤبة عنده في نفير، فما قولك في ضب دامي الأظافير؟
65
ومن نظر في كتاب يعقوب وجده كالمهمل إلا باب فعل وفعل، فإنه مؤلف على عشرين حرفا: ستة مذلقة، وثلثة مطبقة، وأربعة من الحروف الشديدة، وواحد من المزيدة، ونفيثين: الثاء والذال، وآخر متعال، والأختين العين والحاء، والشين مضافة إلى حيز الراء. فرحم الله أبا يوسف لو عاش لفاظ كمدا، أو احفاظ حسدا؛ سبق ابن السكيت ثم صار السكيت، وسمق ثم حار وتدا للبيت. كان الكتاب تبرا في تراب معدن، بين الحت وبين المتدن؛ فاستخرجه سيدنا واستوشاه، وصقله فكره ووشاه، فغبطه النيرات على الترقيش، والآل النقيش؛ فهو محبوب ليس بهين، على أنه ذو وجهين؛ ما نم قط ولا هم، ولا نطق ولا أرم، فقد ناب في كلام العرب الصميم، منال مرآة المنجم في علم التنجيم؛ شخصها ضئيل ملموم، وفيها القمران والنجوم.
66
وأقول بعد في إعادة اللفظ: إن حكم التأليف في ذكر الكلمة مرتين، كالجمع في النكاح بين أختين: الأولى حل يرام، والثانية بسل حرام. كيف يكون في الهودج لميسان، وفي السبة خميسان! يا أم الفتيات حسبك من الهنود، ويا أبا الفتيان شرعك من السعود؛ عليك أنت بزينب ودعد، وسم أيها الرجل بسوى سعد؛ ما قل أثير، والأسماء كثير. مثل يعقوب مثل خود كثيرة الحلي ضاعفته على التراق، وعطلت الخصر والساق.
67
كان يوم قدوم تلك النسخة يوم ضريب حشر الوحش مع الإنس، وأضاف الجنس إلى غير الجنس؛ ولم يحكم على الظباء بالسباء، ولا رمى الآجال بالأوجال؛ ولكن الأضداد تجتمع، فتستمع؛ وتنصرف بلذات، من غير أذاة، وإن عبده موسى لقيني نقابا، فقال: هلم كتابا؛ يكون لك شرفا، وبموالاتك في حضرة سيدنا أطال الله بقاءه معترفا. فتلوت عليه هاتين الآيتين:
إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ، وأحسبه رأى نور السؤدد فقال لمخلفيه ما قال موسى عليه السلام لأهله:
إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى ، فليت شعري: ما يطلب؟ أقبس ذهب، أم قبس لهب؟ بل يتشرف بالأخلاق الباهرة، ويتبرك بالأحساب الطاهرة:
باتت حواطب ليلى يقتبسن لها
جزل الجذى غير خوار ولا دعر
وقد آب من سفرته الأولى ومعه جذوة من نار، إن لمست فنار إبراهيم، أو أونست فنار الكليم؛
68
واجتنى بهارا حيت به المرازبة كسرى، وحمل في فكاك الأسرى، وأدرك نوحا مع القوم، وبقي غضا إلى اليوم؛ وما انتجع موسى إلا الروض العميم، ولا اتبع إلا أصدق مقيم.
69
وورد عبده الزهيري من حضرته المطهرة كأنه زهرة بقيع، أو وردة ربيع، كثيرة الورق، طيبة العرق؛ وليس هو في نعمته كالريم، في ظلال الصريم، والجاب، في السحاب المنجاب؛ لأن الظلام يسفر، والغمام ينسفر؛ ولكنه مثل النون في اللجة، والأعفر تحت جربة،
70
وقد كنت عرفت سيدنا فيما سلف أن الأدب كعهود في أثر عهود، أروت النجاد، فما ظنك بالوهود؟ وأني نزلت من ذلك الغيث ببلد طسم، كأثر الوسم؛ منعه القراع، من الإمراع. يا بؤس، بني سدوس، العدو حازب، والكلأ عازب؛ يا خصب بني عبد المدان؛ ضأن في الحربث وضأن في السعدان. فلما رأيت ذلك أتعبت الأظل، فلم أجد إلا الحنظل، فليس في اللبيد، إلا الهبيد؛ جنيته من شجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. لبن الإبل عن المرار مر، وعن الأراك طيب حر. هذا مثلي في الأدب،