زكا لك صالح وخلاك ذم
وصبحك الأيامن والسعود
لأنا آسف على قربك من الغراب الحجازي، على حسن الزي، لما أقفر، وركب السفر، فقدم جبال الروم في نو، أنزل البرس من الجو، فالتفت إلى عطفه، وقد شمط فأسي، وترك النعيب أو نسي، وهبط إلى الأرض فمشى في قيد، وتمثل ببيت دريد:
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه
فلما علاه قال للباطل ابعد
وأراد الإياب، في ذلك الجلباب، فكره الشمات، فكمد حتى مات؛ ورب ولي أغرق في الإكرام، فوقع في الإبرام، إبرام السأم، لا إبرام السلم.
51
فحرس الله سيدنا حتى تدغم الطاء في الهاء، فتلك حراسة بغير انتهاء؛ وذلك أن هذين ضدان، وعلى التضاد متباعدان، رخو وشديد، وهاو وذو تصعيد، وهما في الجهر والهمس، بمنزلة غد وأمس؛
52
وجعل الله رتبته التي كالفاعل والمبتدأ، نظير الفعل في أنها لا تنخفض أبدا. فقد جعلني إن حضرت عرف شاني، وإن غبت لم يجهل مكاني، كيا في النداء، والمحذوف من الابتداء؛ إذا قلت: زيد أقبل، والإبل الإبل، بعدما كنت كهاء الوقف إن ألقيت فبواجب، وإن ذكرت فغير لازب.
53
إني وإن غدوت في زمن كثير الدد، كهاء العدد، لزمت المذكر، فأتت بالمنكر، مع إلف يراني في الأصل، كألف الواصل، يذكرني بغير الثناء، ويطرحني عند الاستغناء، وحال كالهمزة تبدل العين، وتجعل بين بين، وتكون تارة حرف لين، وتارة مثل الصامت الرصين، فهي لا تثبت على طريقة، ولا تدرك لها صورة في الحقيقة، ونوائب ألحقت الكبير بالصغير، كأنها ترخيم التصغير، ردت المستحلس إلى حليس، وقابوسا إلى قبيس. لأمد صوتي بتلك الآلاء، مد الكوفي صوته في هؤلاء، وأخفف عن حضرة سيدنا الرئيس الحبر، تخفيف المدني ما قدر عليه من النبر. إن كاتبت فلست ملتمس جواب، وإن أسهبت في الشكر فلست طالب ثواب، حسبي ما لدي من أياديه، وما غمر من فضل السيد الأكبر أبيه،
54
أدام الله لهما القدرة ما دام الضرب الأول من الطويل صحيحا، والمنسرح خفيفا سريحا؛ وقبض الله يمين عدوهما عن كل معن، قبض العروض من أول وزن، وجمع له المهانة إلى التقييد، كما جمعا في ثاني المديد، وقلم قلم الفسيط، وخبل كسباعي البسيط، وعصب الله الشر بهامة شانئهما وهو مخزو، عصب الوافر الثالث وهو مجزو، بل أضمرته الأرض إضمار ثالث الكامل، وعداه أمل الآمل،
55
وسلم سيدانا أعز الله نصرهما ومن أحباه وقرباه سلامة متوسط المجموعات، فإنه آمن من المروعات؛ فقد افتننت في نعمهما الرائعة، كافتنان الدائرة الرابعة؛ وذلك أنها أم ستة موجودين، وثلثة مفقودين، وأنا أعد نفسي مراسلة حضرة سيدنا الجليلة عدة ثريا الليل، وثريا سهيل، هذه القمر، وتلك عمر، وأعظمه في كل وقت، إعظاما في مقة وبعض الإعظام في مقت؛ فقد نصب للآداب قبة صار الشأم فيها كشامة المعيب، والعراق كعراق الشعيب؛ أحسب ظلالها من البردين، وأغنت العالم عن الهندين، هند الطيب، وهند النسيب، ربة الخمار، وأرباب قمار، أخدان التجر، وخدينة الهجر.
56
ما حاملة طوق من الليل، وبرد من المرتبع مكفوف الذيل، أوفت الأشاء، فقالت للكئيب ما شاء؛ تسمعه غير مفهوم، لا بالرمل ولا بالمزموم؛ كأن سجيعها قريض، ومراسلها الغريض؛ فقد ماد لشجوها العود، وفقيدها لا يعود؛ تندب هديلا فات، وأتيح له بعض الآفات، بأشوق إلى هديلها من عبده إلى مناسمة أنبائه، ولا أوجد على إلفها منه على زيارة فنائه، وليس الأشواق، لذوات الأطواق، ولا عند الساجعة، عبرة متراجعة، إنما رأت الشرطين، قبل البطين، والرشاء، بعد العشاء، فحكت صوت الماء في الخرير، وأتت براء دائمة التكرير، فقال جاهل فقدت حميما، وثكلت ولدا قديما، وهيهات يا باكية أصبحت فصدحت، وأمسيت فتناسيت، لا همام لا همام، ما رأيت أعجب من هاتف الحمام: سلم فناح، وصمت وهو مكسور الجناح؛ إنما الشوق لمن يدكر في كل حين، ولا يذهله مضي السنين.