تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

وإن كان أدام الله شرف الدنيا به استصغر من ذلك ما استكبرناه، واستنزر من أدبه الذي استغمرناه. فالسرب الوحشي يعجب من وقوف الأجدل على شرفات المجدل، وهو غير حافل بما أتى، ولا معتقد أنه استعلى.

18

وإن كان في وانية آدابنا بقية إرقال، ولآنية أفهامنا خفية صقال، فسوف تنتفع، وهو أدام الله عزه ذريعة الانتفاع، وتضيء بما أهدى إليها من الشعاع، إضاءة الصفر، بما قابل من النيرات الزهر.، وقد يرى خيال الجوزاء على رفعتها، في أضاة المرآة مع ضعتها، ويورق العود، ببركة السعود، وتفيض الردهة، عن نوء الجبهة.

19

ولو تفوه بمقال جامد، وهم باختيال هامد، لنشرت المعرة صحف الافتخار، وسحبت ذيل العظمة والاستكبار؛ عجبا أن فكره يلحظها لحظ الساهي السامد، لا يلفظ بذكرها لفظ الحامد العامد،

20

وإنما هو في الرحيل عنها كجسم ذي روح، نقل من الغرقئ إلى اللوح، وهى بعده كقسيمة الوسيمة ذهب عطرها، وبقي نشرها.

21

وإنما شرفت على سواها، وطالت عن البلاد دون ما والاها؛ لإقامته بها في تلك الأيام، وإنامته عن أهلها نواظر أزام، فعرفت عند ذلك به، ونالت خيرها من حسبه، كما تنال كل دار يحلها، وإنما المنازل التي ينزلها كالشهب الشآمية واليمانية، الموفية على العشرين بثمانية، نزل بها الزبرقان فاشتهرت، ونسبت العرب إليها كل سحابة أمطرت، وكم في أديم الخضراء من أشباح مضيئة زهراء اجتنبها في السير فخملت، ولم ينسب إليها قطر سحابة هملت.

22

ورأي عبده أن ضربة اللازم، على المتأدب الحازم، اتخاذ آثاره - عاش حاسده بالخلق الشكس والجد المنعكس - مشاهد للأدب محضورة، ومحافل بالمذاكرة معمورة، كما يتخذ تقي الخلف، مواطئ زكي السلف، مواقف يتخيرها لطهارتها، ومساجد يتديرها لأثارتها، وإنما فضل الطور بالكليم، والمقام بابرهيم، ولقد سمونا بمجاورته قبل محاورته، سمو اليثربي، بجوار النبي.

23

ولعل المعرة قد نظرت أصح النظر، وفكرت فيما لا ينتقض من الفكر، فعلمت أنه عقد لا يصلح لمقلدها، وسوار يرتفع لجلالته عن يدها، وتاج لا يطيق حمله مفرقها، وجونة يشرق بذرورها مشرقها، وهو - أدام الله تأييده - مثل ما نقل من المحار، إلى مفرق الملك الجبار، ومغانيه الأولى كالشجرة بعد اجتناء الثمرة، والصدفة بغير جوهرة، والكنانة الخالية من السهام، والعنانة الجالية في الجهام. ولم يخف علينا أن الغيث من الدجون، في مثل السجون، وأن موضع الزهرة، أعلى العبهرة، وأن القمر، لم يخلق للسمر، وليس للمستعير أن يحسب العارية هبة، ولا يظن ردها إلى المعير مثلبة، لكن شرف للصعلوك، العارية من الملوك،

24

وقد أفادت هذه البقعة الصيت البعيد، وانقادت لها أزمة الجد السعيد. ليالي أمنتها المكارم عليه، واستودعتها البراعة حدة أصغريه، فظعن وأرجه مقيم، وارتحل وللثناء تخييم.، فهي كشهري ربيع سميا مع الشهور، في أوائل الدهور، ثم انتقلا من الجدة، إلى الشدة؛ وكان معهما جماديان فصارتا بعد الجمد، إلى الومد، وأبت الألقاب، التغير بممر الأحقاب، فنفدت الرسوم، وخلدت الوسوم.

25

ولولا جفاء التربة والأحجار، عن التخلق بأخلاق الجار، لأصبحت ساحتها للتأدب مختارة، والفصاحة من عند أهلها ممتارة. فقد قيل إن أصل الطيب عند عبدة الأبداد، أن آدم

صلى الله عليه وسلم

هبط في تلك البلاد، ولكن أبى الجلمود، قبول الطبع المحمود، وعذرت الكابية في الهمود، والإنس باجتذاب الخليقة أخلق، وحواسهم بطلاب الفضيلة أولى وأليق.

26

فلولا تنبهوا، وقد نبهوا، وأشبهوا المرئي إذ تشبهوا، وما هم ابن داية، بصيد الجداية، فكيف يلتقط القار بالمنقار، ويستر القرواح بالجناح، أم كيف يمد الطراف من النسع، ويقد النجاد من الشسع. هذا ما لا يكون، ولا تسبق إليه الظنون، والظلم البين، والخطب الذي ليس بهين، تكليف القطب النابت، مداناة القطب الثابت، وإلزام نسر الحافر، مرام النسر الطائر.

فحول البلاغة · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فحول البلاغةص ٤٩