8
وكدت لولا اشتمال المخاوف على هذه المحلة، واشتغال الضمائر بقبس الغلة، أحسب سلامه السلام الذي ذكره البارئ جل اسمه في قوله:
ادخلوها بسلام آمنين . أفبلدتنا جنان، أم وضح لأهلها الغفران، أم نشروا بعدما قبروا، أم جزوا الغرفة بما صبروا، فهم يلقون فيها تحية وسلاما، وإن نالوا بمنه أوصاف الأتقياء الأبرار، فقد نزلت بهم خلة من خلال الأشقياء الكفار؛ وذلك أنهم بأسد البلاغة افترسوا، وبأسبابها عقدت ألسنتهم عن الجواب فخرسوا، فكأنما قيل لهم هذا يوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون.
9
وإنما غرقوا في لج التبانة فصمتوا، وسمعوا صواعق الإبانة فخفتوا، فقلم كاتبهم عود الناكت، وجواب بليغهم حيرة الساكت، على أنهم قد راموا تصريف الخطاب فصرفوا، وعرفوا مكان فضله فاعترفوا، وتراءوه من مبارك العروج، فلمحوه في مآرك البروج، واستنهضتهم الهمم إلى مداناته فعجزوا، ووعدوا هواجسهم التبلد فأنجزوا، ولن توجد آثار النوق، في أوكار الأنوق،
10
فهم يتأملون وميضه الآلق، ويحمدون الإله الخالق، على ما منحه سيدهم من الاقتدار، بدقيق الأفكار، على إعادة اليم كالغدير المسمى بالغدر، وإلحاق السهى بالقمر ليلة البدر.
11
ولم يزل الماشي العازم، أسرع من راكب الرازم، فكيف بمن امتطى عزمه كتد الريح، وحكم له سعده بالسعي النجيح، وخصه بارئه تقدست أسماؤه بطبع راض، صعاب الأغراض، حتى ذللها، وأبس بوحوش اللغات فأهلها، فصار حزن كلام العرب إذا نطق به سهلا، وركيكه إن أيده بصنعته قويا جزلا. فمثله مثل جارسة الكحلاء، تسمح بالمسائب الملاء، تطعم الغرب، وتجود بالضرب، وتجني مر الأنوار، فيعود شهدا عند الاشتيار، وكالهواء في مذهب لا أعتقده، وقول سواي من يسدده يجتذب أجزاء البخار، فيسقي من تحته عذب الأمطار.
12
ومن لنا بأن اللفظ المشوف، يمثل عليه التمثيل على الحروف، فتكلف ألبابنا اقتضاب العسير، وركوب ما ليس بيسير، فعساها تبل بفقرة زاهرة، أو تظفر باستخراج لؤلؤة فاخرة.
على أنه من العناء سؤال البرم، ورياضة الهرم، وهيهات بعدت محال الغفر الطالع، عن مزال الغفر الظالع، وأعجز البارق يد السارق، وجلت الشموس، عن سكنى الرموس، ولو اجتهد الخزز مدى عمره ما أشبه ضغيبه زئير الأسد، ولن يصير سوط باطل في القوة كالمسد،
13
ولوددت لو رزق لامه، ما رزق كلامه، لينال خلود الزمان، وتعطيه الحوادث أوكد أمان. فإنه أولى الناس، بإضاءة النبراس؛ إذ كان في زكاء الهمة مغرسه، وبأجذال الحكمة مذ نشأ تمرسه، حتى علا منها سراة المنبر، وركب طالبه أصول السخبر،
14
وقد كان فيمن مضى قوم جعلوا الرسائل كالوسائل، وتزينوا بالسجع، تزين المحول بالرجع، ما رقوا في درجته، ولا وضعوا قدما على محجته، لكنهم تعاينوا فما تباينوا، وتناضلوا فلم يتفاضلوا، ولو طمعوا في الوصول إلى مثل هذه الفصول، لاختاروا الرتب على الرتب، ورضوا اعتساف السبيل وارتعاء الوبيل، ليدركوا بطلبهم ما أدركه عن غير جد، واغترفه من بديهه العد، وكلهم لو شاهده لرضي بأن يدعى السكيت في حلبة سيدنا فيها سابق الرهان، وتمنى أن يكون زجا في قناة هو منها موضع السنان.
15
ولما وردت مع عبده موسى تلك الغرائب المؤنسة، والقلائد المنفسة، كانت بمنزلة الآيات التسع التي ألقاها الرحمن على ابن عمران. أبطلت كيد السحار، وعصفت بهشيم الأشعار، وورد في ألواحه عصوان الميمية، والواوية، فوجد في وطنه أشباح أوزان تتخيل، وأنقاء أذهان تتهيل،
فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون .
16
ما خبر عبده حتى اختبر، ولا عبر إلا بعدما اعتبر. شاهدنا فيما سمعناه المعنى الحصير، في الوزن القصير، كصورة كسرى في كأس المشروب، وتمثال قيصر في الإبريز المضروب، لم يزر به ضيق الدار، وقصر الجدار. إن تغزل فحنين العود، أو تجزل فهدير الرعود،