كذاك نعام القفر يخشى من الردى
وقوتاه مرو بالفلا وهبيد
المرو الحجارة، والهبيد حب الحنظل.
وقد يخطئ الرأي امرؤ وهو حازم
كما اختل في وزن القريض عبيد
عبيد هو عبيد بن الأبرص الشاعر المشهور، يشير إلى قصيدته التي أولها:
أقفر من أهله ملحوب
فالقطبيات فالذنوب
وفيها أبيات خارجة عن الوزن منها قوله:
والمرء ما عاش في تكذيب
طول الحياة له تعذيب
وقال أيضا:
أعد لبذلك الإحسان فضلا
وكم من معشر بخلوا وسادوا
فجد إن شئت مربحة الليالي
فما للجود في سوق كساد
أبيت المال بيت من مقال
متى ينقص يلم به الفساد
يريد: ليس بيت المال كبيت الشعر الذي يفسد إن نقص منه حرف.
وقال أيضا:
والخير يجلب شرا والذباب دعا
إلى الجنى أنه في الطعم قنديد
وأشرف الناس في أعلى مراتبه
مثل الصديد ولكن قيل صنديد
وقال أيضا:
اصغر لتعظم كم تجمع واثب
ثم استعز فعز بعد صغار
| فصل فيما اخترناه من رسائل أبي العلاء المعري
إن لأبي العلاء رسائل كثيرة في الأدب كأحسن ما كتب الكاتبون، وقد نحا فيها منحى الشعر من الإكثار من التشبيهات والمعاني المخترعة وغيرها من المحسنات، وربما أطال القول في بعضها حتى تكون الرسالة الواحدة كتابا مستقلا، وقد أشار إلى ذلك في آخر رسالة مطولة له كتبها جوابا عن رسالة مختصرة جاءته من بعض الوزراء فقال: «ولا ينكر الإطالة علي؛ فإن الخالص من النضار العين طالما اشتري بأضعافه في الزنة من اللجين.» وقد اخترت بعض هذه الرسائل وألحقته بجملة المختار من كلامه لما تضمنه من البلاغة الفائقة والأغراض البعيدة وشرحته شرحا شاملا يبين مقاصده ويوضح معانيه، وهذا أوان الشروع في ذكره فأقول:
رسالة المنيح
1
كتبها إلى أبي القاسم الحسين بن علي المغربي:
2
إن كان للآداب - أطال الله بقاء سيدنا - نسيم يتضوع، وللذكاء نار تشرق وتلمع، فقد فغمنا على بعد الدار أرج أدبه، ومحا الليل عنا ذكاؤه بتلهبه، وخول الأسماع شنوفا غير ذاهبة، وأطلع في سويداوات القلوب كواكب ليست بغاربة؛ وذلك أنا معشر أهل هذه البلدة وهب لنا شرف عظيم، وألقي إلينا كتاب كريم، صدر عن حضرة السيد الحبر، ومالك أعنة النظم والنثر. قراءته نسك، وختامه بل سائره مسك،
وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .
3
أجل عن التقبيل فظلاله المقبلة، ونزه أن يبتذل فنسخه المبتذلة، وإنه عندنا لكتاب عزيز، ولولا الإلاحة على ما ضمن من الملاحة، والخشية على دجى مداده من التوزع، ونهار معانيه من التشتت والتقطع، لعكفت عليه الأفواه باللثم، والموارن بالانتشاء والشم، حتى تصير سطوره لمى في الشفاه، وخيلانا على مواضع السجود من الجباه.
4
ولولا ما حظره الدين من القمار، وعابه من رأي الجهلة الأغمار، وأن شريعة الإسلام، اعترضت دون إجالة الأزلام، لضربنا عليه بالسبعة الفائزة، والثلاثة التي ليست لحظ بالحائزة، ومعاذ الأحلام أن يطمئن خلد المنافس الشحيح، إلى أحكام النافس والمنيح، وإنما كانت أولياء سيدنا جعل الله لشانئه كوكب الرجم، وحادي النجم، تيسر على إقامة الصحيفة في المنازل للأنس المطلوب، لا على مقادير السحا من ذلك الطرس المكتوب، وأحسبهم يوقعون عليها السهمة الواقعة على كفالة البتول، والحاكمة في السفر بين صواحب الرسول.
5
فيا شرفه من صك بالفخر، يبجح به على النظراء حيري الدهر، موشحا بكل شذرة أعذب من سلاف العنقود، وأحسن من الدينار المنقود، فجاء كلوائح البروق، أو يوح عند الشروق.
6
ولم يزل لوليه إلى جنابه جنب الفانية، إلى عيش الغانية، وأنضاء الإعلال، إلى إفضاء الإبلال، ولو أن شوقه إلى حضرته الجليلة تمثل، فمثل وتجسم، حتى يتوسم، لملأ ذات الطول والعرض، وشغل ما بين السماء والأرض، ولم يكتف حتى يكلف الخطوة، أن تسع صهوة، والراحة أن تكون مثل الساحة.
7
وبلغ وليه السلام الذي لو مر بسلمة وارية لأغدقت، أو سلمة عارية لأورقت. فحمل فؤادي من الطرب على روق اليعفور، بل فوق جناح العصفور، فكأنما رفعني الفلك، أو ناجاني الملك، جذلا بما لو جاز تبدل الغريزة، وتحول النحيزة، لنقلني من آلي العامة، إلى عالي السامة، نقل الكيمياء، ما خالط من المزأبق الجائز، إلى جملة النضار الممايز.