الباب الثامن
| فيما اخترناه من شعر أبي العلاء المعري
قال أبو العلاء:
عللاني فإن بيض الأماني
فنيت والظلام ليس بفاني
يقول تطاول ليلي ففزعت إلى أحاديث النفس ومخادعتها بالأماني، ففني ذلك ولم يفن الليل.
إن تناسيتما وداد أناس
فاجعلاني من بعض من تذكران
رب ليل كأنه الصبح في الحس
ن وإن كان أسود الطيلسان
قد ركضنا فيه إلى اللهو لما
وقف النجم وقفة الحيران
كم أردنا ذاك الزمان بمدح
فشغلنا بذم هذا الزمان
فكأني ما قلت والبدر طفل
وشباب الظلماء في عنفوان
أي: لما ذممت العيش في هذا الزمان وانقضى طيب العيش بانقضاء ذاك الزمان، صرت كأني لم أقل رضاء بذلك الزمان ليلتي هذه عروس من الزنج وحال البدر في تلك الليلة أنه طفل أي هو في أول الشهر هلال بعد لم يبدر، وشباب ظلمة الليل في العنفوان أي في أوله لم يقتحم بعد غمرة الليل.
ليلتي هذه عروس من الزنج
عليها قلائد من جمان
هذا البيت مقول كأني ما قلت أي كأني لم أقل في وصف تلك الليلة هي عروس زنجية.
هرب النوم عن جفوني فيها
هرب الأمن عن فؤاد الجبان
أي زال عني النوم في تلك الليلة لما دفعت إليه من السرى فيها.
وكأن الهلال يهوى الثريا
فهما للوداع معتنقان
قال صحبي في لجتين من الحن
دس والبيد إذ بدا الفرقدان
يقول: قال أصحابي حين تحيرنا في بحرين ظلمة الليل والبرية.
نحن غرقى فكيف ينقذنا نج
مان في حومة الدجى غرقان
وسهيل كوجنة الحب في اللو
ن وقلب المحب في الخفقان
مستبدا كأنه الفارس المع
لم يبدو معارض الفرسان
يسرع اللمح في احمرار كما تس
رع في اللمح مقلة الغضبان
ثم شاب الدجى وخاف من الهج
ر فغطى المشيب بالزعفران
ونضا فجره على نسره الوا
قع سيفا فهم بالطيران
وبلاد وردتها ذنب السر
حان بين المهاة والسرحان
أي: وردتها وقت الصبح.
وعيون الركاب ترمق عينا
حولها محجر بلا أجفان
ترمق عينا: أي عين ماء.
وعلى الدهر من دماء الشهيدي
ن علي ونجله شاهدان
فهما في أواخر الليل فجرا
ن وفي أولياته شفقان
ثبتا في قميصه ليجيء ال
حشر مستعديا إلى الرحمن
وقال أيضا:
غير مجد في ملتي واعتقادي
نوح باك ولا ترنم شاد
وشبيه صوت النعي إذا قي
س بصوت البشير في كل ناد
يقول: إذا نظر المرء إلى حال الدنيا وسرعة زوالها يستوي عنده النعي بالميت أو البشارة بالمولود؛ إذ مصير المولود إلى الفناء.
أبكت تلكم الحمامة أم غن
ت على فرع غصنها المياد
صاح هذي قبورنا تملأ الرح
ب فأين القبور من عهد عاد؟
خفف الوطأ ما أظن أديم الأ
رض إلا من هذه الأجساد
وقبيح بنا وإن قدم العه
د هوان الآباء والأجداد
سر إن اسطعت في الهواء رويدا
لا اختيالا على رفات العباد
رب لحد قد صار لحدا مرارا
ضاحك من تزاحم الأضداد
ودفين على بقايا دفين
في طويل الأزمان والآباد
فاسأل الفرقدين عمن أحسا
من قبيل وآنسا من بلاد
كم أقاما على زوال نهار
وأنارا لمدلج في سواد
تعب كلها الحياة فما أع
جب إلا من راغب في ازدياد
إن حزنا في ساعة الموت أضعا
ف سرور في ساعة الميلاد
خلق الناس للبقاء فضلت
أمة يحسبونهم للنفاد
يقول إن الناس خلقوا للبقاء في الدار الآخرة دار الحياة والبقاء، ومن ظن أنهم خلقوا للفناء والنفاد فقد ضل.
إنما ينقلون من دار أعما
ل إلى دار شقوة أو رشاد
ضجعة الموت رقدة يستريح ال
جسم فيها والعيش مثل السهاد
وقال أيضا:
ولقد ذكرتك يا أمامة بعدما
نزل الدليل إلى التراب يسوفه
ساف الدليل التراب إذا شمه ليعلم أعلى قصد هو أم على غير قصد؛ يستدل بروائح أبوال الإبل.
والعيس تعلن بالحنين إليكم
ولغامها كالبرس طار نديفه
فنسيت ما كلفتنيه وطالما
كلفتني ما ضرني تكليفه
وهواك عندي كالغناء لأنه
حسن لدي ثقيله وخفيفه
وقال أيضا:
لا تطويا السر عني يوم نائبة
فإن ذلك ذنب غير مغتفر
والخل كالماء يبدي لي ضمائره
مع الصفاء ويخفيها مع الكدر
وقال أيضا:
يممته وبودي أنني قلم
أسعى إليه ورأسي تحتي الساعي