وكن كالموت لا يرثي لباك
بكى منه ويروى وهو صاد
يقول كن كالموت يروى بما يشرب وهو مع ذلك عطشان لحرصه على الإهلاك.
وقال أيضا يصف الأسد:
ورد إذا ورد البحيرة شاربا
ورد الفرات زئيره والنيلا
متخضب بدم الفوارس لابس
في غيله من لبدتيه غيلا
ما قوبلت عيناه إلا ظنتا
تحت الدجى نار الفريق حلولا
في وحدة الرهبان إلا أنه
لا يعرف التحريم والتحليلا
يطأ البرى مترفقا من تيهه
فكأنه آس يجس عليلا
البرى التراب.
ويرد غفرته إلى يافوخه
حتى تصير لرأسه إكليلا
الغفرة الشعر اجتمع على قفاه.
قصرت مخافته الخطى فكأنما
ركب الكمي جواده مشكولا
ذو الحافر إذا رأى الأسد وقف وبال.
وقال أيضا:
هو الشجاع يعد البخل من جبن
وهو الجواد يعد الجبن من بخل
يعود من كل فتح غير مفتخر
وقد أغذ إليه غير محتفل
وقال أيضا:
لا يدرك المجد إلا سيد فطن
لما يشق على السادات فعال
كفاتك ودخول الكاف منقصة
كالشمس قلت وما للشمس أمثال
يقول لا يدرك المجد إلا رجل صفته هذه، ثم شبهه بفاتك، ثم استدرك ذلك بقوله: ودخول الكاف منقصة، إذا قلت هو كفلان فقد جعلت له مثلا، وإنما ذلك مجاز وتوسع كالشيء المستحسن يشبه بالشمس على الظاهر وليس لها مثل.
وقال أيضا:
أبى خلق الدنيا حبيبا تديمه
فما طلبي منها حبيبا ترده
وأسرع مفعول فعلت تغيرا
تكلف شيء في طباعك ضده
وقال أيضا:
وكلام الوشاة ليس على الأ
حباب سلطانه على الأضداد
إنما تنجح المقالة في المرء
إذا صادفت هوى في الفؤاد
وقال أيضا:
لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي
شيئا تتيمه عين ولا جيد
يا ساقيي أخمر في كئوسكما
أم في كئوسكما هم وتسهيد
أصخرة أنا، ما لي لا تغيرني
هذي المدام ولا هذي الأغاريد
إذا أردت كميت الخمر صافية
وجدتها وحبيب النفس مفقود
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها
أني بما أنا باك منه محسود
وقال أيضا:
وكم من جبال جبت تشهد أنني ال
جبال وبحر شاهد أنني البحر
وخرق مكان العيس منه مكاننا
من العيس فيه واسط الكور والظهر
يقول أنا في وسط ظهور الإبل والإبل في وسط ظهر الخرق.
يخدن بنا في جوزه وكأننا
على كرة أو أرضه معنا سفر
يقول كأننا على كرة ولا ينتهي لنا سير لأن الكرة ليس لها طرف ينتهى إليه أو كأن أرض الخرق تسير معنا حيث كانت لا تنقطع، وإذا أسرع الإنسان في السير رأى الأرض كأنها تسير معه.
وقال يمدح ابن العميد لما وفد عليه:
من مبلغ الأعراب أني بعدها
شاهدت رسطاليس والإسكندرا
ولقيت كل الفاضلين كأنما
رد الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدما
وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا
يقول جمع لنا الفضلاء في الزمان ومضوا متتابعين متقدمين عليك في الوجود، فلما أتيت بعدهم كان فيك من الفضل ما كان فيهم، مثل الحساب يذكر تفاصيله أولا ثم تجمل تلك التفاصيل فيكتب في آخر الحساب فذاك كذا وكذا فيجمع في الجملة ما ذكر في التفصيل، كذلك أنت جمع فيك ما تفرق فيهم من الفضائل والعلم والحكمة.
يا ليت باكية شجاني دمعها
نظرت إليك كما نظرت فتعذرا
يقول ليت التي أحزنني دمعها لما فارقتها بالمسير إليك رأت كما رأيت منك فكانت تعذرني على فراقها وركوب الأهوال إليك.
وترى الفضيلة لا ترد فضيلة
الشمس تشرق والسحاب كنهورا
وقال أيضا:
وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله
ولكن لشعري فيك من نفسه شعر
أزالت بك الأيام عتبي كأنما
بنوها لها ذنب وأنت لها عذر
وقال أيضا:
أدرن عيونا حائرات كأنها
مركبة أحداقها فوق زئبق
هذا أحسن ما قيل في العيون الحائرة من الفزع، ومن أحسن ما رأيته في صفة العيون السود قول ابن هانئ:
قمن في مأتم على العشاق
ولبسن السواد في الأحداق
ومن لطيف ما قيل في العيون النعس قول القائل:
أتنكر بأس أحداق العذارى
أما تدري بعربدة السكارى
وقال آخر:
بين السيوف وعينيه مشاكلة
من أجلها قيل للأغماد أجفان
عشية يعدونا عن النظر البكا
وعن لذة التوديع خوف التفرق
وقال أيضا:
وجدت المدامة غلابة