تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخذن أي النوق.

فلما انتضى الليل الصباح وصلنه

بحاشية من فجره المتورد

يريد أنهم وصلوا سير الليل بسير النهار.

لبسن الدجى حتى نضت وتصوبت

هوادي نجوم الليل كالدحو باليد

حتى نضت وتصوبت، يعني النجوم تصوبت إلى الغرب كأنها تدفع باليد.

يكون مقيل الركب فوق رحالها

إذا منعت لمس الحصى كل صيخد

يريد أن الركب ينامون فوق ظهور تلك النوق ولا ينزلون عنها من كدهم في صميم القائلة، والصيخد شدة الحر.

وقاطعة رجل السبيل مخوفة

كأن على أرجائها حد مبرد

يقول ورب مفازة قاطعة رجل السبيل؛ أي لا يدخلها أحد، فكأنها تقطع عن نفسها أرجل الناس.

عزوف بأنفاس الرياح أبية

على الركب تستعصي على كل جلعد

أراد أن الريح تصوت في تلك الفلاة لانخراقها واتساعها.

يقصر قاب العين في فلواتها

نواشز صفوان عليها وجلمد

قاب العين: أي مد البصر، ونواشز صفوان: أي كوى مرتفعة من صفوان. يريد أنه إذا بسط لحظه ومده في تلك الفلاة ارتفع أمامه جبل لا يرى ما وراءه من الأرض ولا يعرف ما يحجب.

مؤزرة بالآل فيها كأنها

رجال قعود في ملاء معضد

يقول إنها قد لبست الآل في أسافل جبالها وبقيت قننها فظهرت كأنها رجال قعود في ملاء بيض قد بدت رءوسهم منها.

تناولت أقصاها إليك ودونه

مقص لأعناق النجاء العمرد

مقص: أي مقطع لأعناق النجاء.

وقال أيضا:

أصبحت كالثوب اللبيس قد اخلقت

جداته منه فعاد مذالا

وبقيت كالرجل المدله عقله

أشكو الزمان وأضرب الأمثالا

سالمت عذالي فآبوا بالرضى

عني وكنت أحارب العذالا

ولقد علمت بأنه ما من فتى

إلا سيبدل بعد حال حالا

وقال أيضا:

سل ليلة الخيف هل أمضيت آخرها

بالراح تحت نسيم الخرد الغيد

شججتها بلعاب المزن فاغتزلت

نسجين من بين محلول ومعقود

وقال أيضا:

أناف به العلياء يحيى وجعفر

فليس له مثل ولا لهما مثل

لهم هضبة تأوي إلى ظل برمك

منوطا بها الآمال أطنابها السبل

وقال أيضا:

وما أبقت الأيام مني ولا الصبا

سوى كبد حرى وقلب مقتل

ويوم من اللذات خالست عيشه

رقيبا على اللذات غير مغفل

فكنت نديم الكأس حتى إذا انقضت

تعوضت منها ريق حوراء عيطل

العيطل الخالية من الحلي.

نهاني عنها حبها أن أريبها

بسوء فلم أفتك ولم أتبتل

يقول لم أهجم عليها وأفتك بها ولا بعدت عنها وزهدت فيها كل الزهد.

سقتني بعينيها الهوى وسقيتها

فدب دبيب الراح في كل مفصل

وإن شئت أن ألتذ نازلت جيدها

فعانقت دون الجيد نظم القرنفل

نظم القرنفل عقد ينظم من حب القرنفل ويسمى السخاب.

وممكورة رود الشباب كأنها

قضيب على دعص من الرمل أهيل

الممكورة: الجارية الضامرة.

خلوت بها والليل يقظان قائم

على قدم كالراهب المتبتل

فلما استمرت من دجى الليل دولة

وكاد عمود الصبح بالصبح ينجلي

تراءى الهوى بالشوق فاستحدث البكا

وقال للذات اللقاء ترحلي

فلم تر إلا عبرة بعد عبرة

مرقرقة أو نظرة بتأمل

وقال أيضا:

لما بدا القمر استحيت فقلت لها

بعض الحياء فإن الحب قد ظهرا

تكاتم القمر الوجه الذي ضمنت

والوجه منها ترى في مائه القمرا

وقال أيضا:

أمنتجعا مروا بأثقال همه

دع الثقل واحمل حاجة ما لها ثقل

ثناء كعرف الطيب يهدى لأهله

وليس له إلا بني خالد أهل

فإن أغش قوما بعدهم أو أزرهم

فكالوحش يستدنيه للقنص المحل

وقال أيضا:

موف على مهج واليوم ذو رهج

كأنه أجل يسعى إلى أمل

ينال بالرفق ما يعيا الرجال به

كالموت مستعجلا يأتي على مهل

لا يرحل الناس إلا نحو حجرته

كالبيت يفضي إليه ملتقى السبل

لا يعبق الطيب خديه ومفرقه

ولا يمسح عينيه من الكحل

أي لا يتطيب ولا يتكحل.

الباب الثاني

| فيما اخترناه من شعر أبي نواس الحسن بن هانئ

قال أبو نواس:

ركب تساقوا على الأكوار بينهم

كأس الكرى فانتشى المسقي والساقي

كأن أرؤسهم والنوم واضعها

على المناكب لم تخلق بأعناق

ساروا فلم يقطعوا عقدا لراحلة

حتى أناخوا إليكم قبل إشراق

يقول إنهم ساروا ليلهم كله ولم ينيخوا حتى أتوكم قبل الشروق.

فحول البلاغة · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فحول البلاغةص ٣