وقال أيضا:
إلف هذا الهواء أوقع في الأن
فس أن الحمام مر المذاق
والأسى قبل فرقة الروح عجز
والأسى لا يكون بعد الفراق
يقول لا يحسن أن يحزن الإنسان للموت؛ لأنه قد علم أن الحزن على فراق الروح قبل فراقه من العجز، وعلم أيضا أن الحزن على المفارقة لا يكون إلا بعد الموت، وذلك لا يكون.
وقال أيضا:
كم ثراء فرجت بالرمح عنه
كان من بخل أهله في وثاق
والغنى في يد اللئيم قبيح
قدر قبح الكريم في الإملاق
قالوا إن البخيل ينفق في يوم واحد قدر ما ينفقه الكريم طول حياته، وذلك اليوم هو يوم موته.
وقال أيضا يذكر شعب بوان:
مغاني الشعب طيبا في المغاني
بمنزلة الربيع من الزمان
يقول إن مغاني الشعب تفوق سائر الأمكنة طيبا كما يفوق الربيع سائر الأزمنة.
ولكن الفتى العربي فيها
غريب الوجه واليد واللسان
ملاعب جنة لو سار فيها
سليمان لسار بترجمان
قال بعضهم: الكلام بالترجمان كالأكل بالأسنان المصنوعة. وقال آخر: الفرق بين الترجمة والأصل كالفرق بين ظاهر الثوب وباطنه. وقال غيره: إذا كان الترجمان ماهرا كان الأصل والترجمة كالحسناء وخيالها في المرآة. وقال بعضهم: إن الترجمة المحكمة هي التي إن نظرت إليها وإلى أصلها لم تدر أيهما مترجم عن الآخر، فتكون على حد قول القائل:
رق الزجاج وراقت الخمر
وتشابها فتشاكل الأمر
طبت فرساننا والخيل حتى
خشيت وإن كرمن من الحران
غدونا تنفض الأغصان فيه
على أعرافها مثل الجمان
فسرت وقد حجبن الشمس عني
وجئن من الضياء بما كفاني
وألقى الشرق منها في ثيابي
دنانيرا تفر من البنان
الشرق: الشمس.
لها ثمر تشير إليك منها
بأشربة وقفن بلا أواني
وأمواه يصل بها حصاها
صليل الحلي في أيدي الغواني
وقال أيضا:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن
يخلو من الهم أخلاهم من الفطن
وإنما نحن في جيل سواسية
شر على الحر من سقم على بدن
يقول نحن في قرن من الناس قد تساووا في الشر دون الخير.
وقال أيضا:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
حتى يراق على جوانبه الدم
والظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفة فلعلة لا يظلم
ومن البلية عذل من لا يرعوي
عن جهله، وخطاب من لا يفهم
والذل يظهر في الذليل مودة
وأود منه لمن يود الأرقم
ومن العداوة ما ينالك نفعه
ومن الصداقة ما يضر ويؤلم
وقال أيضا:
وعذلت أهل العشق حتى ذقته
فعجبت كيف يموت من لا يعشق
وعذرتهم وعرفت ذنبي أنني
عيرتهم فلقيت فيه ما لقوا
وقال أيضا:
فإن الناس والدنيا طريق
إلى من ما له في الناس ثان
له علمت نفسي القول فيهم
كتعليم الطراد بلا سنان
يقول علمت النفس القول في الناس بالشعر في مدائحهم كما يتعلم الطعان أولا بغير سنان ليصير المتعلم ماهرا بالطعان بالسنان، كذلك تعلمت الشعر ومدح الناس لأتدرج إلى مدحه وخدمته.
وقال أيضا:
لا يعجبن مضيما حسن بزته
وهل يروق دفينا جودة الكفن
وقال أيضا:
يدفن بعضنا بعضا ويمشي
أواخرنا على هام الأوالي
وكم عين مقبلة النواحي
كحيل بالجنادل والرمال
ومغض كان لا يغضي لخطب
وبال كان يفكر في الهزال
وقال أيضا:
حتام نحن نساري النجم في الظلم
وما سراه على خف ولا قدم
ولا يحس بأجفان يحس بها
فقد الرقاد غريب بات لم ينم
تسود الشمس منا بيض أوجهنا
ولا تسود بيض العذر واللمم
العذر جمع عذار.
وكان حالهما في الحكم واحدة
لو احتكمنا من الدنيا إلى حكم
ونترك الماء لا ينفك من سفر
ما سار في الغيم منه سار في الأدم
الأدم جمع الأديم.
لا أبغض العيس لكني وقيت بها
قلبي من الحزن أو جسمي من السقم
يقول إن إتعابي العيس في السفر ليس من بغض.
طردت من مصر أيديها بأرجها
حتى مرقن بنا من جوش والعلم
في غلمة أخطروا أرواحهم ورضوا
بما لقين رضا الأيسار بالزلم
يقول سرت من مصر في غلمة حملوا أرواحهم على الخطر لبعد المسافة وصعوبة الطريق، ورضوا بما يستقبلون من هلاك وغيره كما يرضى المقامر بما يخرج له من القداح.
ناشوا الرماح وكانت غير ناطقة