خلفتها بشملة تطأ الدجى
مرتاعة الحركات جلس عيطل
ترنو بناظرة كأن حجاجها
وقب أناف بشاهق لم يحلل
وكأن مسقطها إذا ما عرست
آثار مسقط ساجد متبتل
وكأن آثار النسوع بدفها
مسرى الأساود في هيام أهيل
وتسد حاذيها بجثل كامل
كعسيب نخل خوصه لم ينجل
وكأنها غدوا قطاة صبحت
زرق المياه وهمها في المنزل
ملأت دلاء تستقل بحملها
قدام كلكلها كصغرى الحنظل
يريد بصغرى الحنظل حوصلة القطاة.
وغدت كجلمود القذاف تليلها
واف كمثل الطيلسان المخمل
حملتها ثقل الهموم فقطعت
أسبابهن بنا تخب وتغتلي
عن عزم قلب لم أصله بغيره
عضب المضارب صائب للمفصل
حتى إذا اعتدلت عليهم ليلة
سقطوا إلى أيدي قلائص نحل
عليهم: يريد أصحابه السائرين معه. سقطوا: يريد أناخوا إبلهم وناموا على أيديها.
حتى استسارهم دليل فارط
يسمو لغايته بعيني أجدل
يدعى بكنيته لآخر ظمئها
يوما ويدعى باسمه في المنهل
يقول إنهم يكنون في آخر يوم من ظمئهم تبجيلا له وتوسلا إليه؛ خوف أن يضل بهم عن الطريق أو يفتر في السير فيهلكون من العطش، فإذا وردوا الماء دعوه باسمه ولم يحفلوا به.
لبس الشحوب من الظهائر وجهه
فكأنه ماوية لم تصقل
سار بلحظته إذا اشتبه الهدى
بين المجرة والسماك الأعزل
ولرب قرن قد تركت مجدلا
جزرا لضارية الذئاب العسل
عهدي به والموت يحفز روحه
وبرأسه كفم الفنيق الأهدل
ولقد قفوت الغيث ينطف دجنه
والصبح ملتبس كعين الأشهل
بطمرة ترمي الشخوص بمقلة
كحلاء تعرب عن ضمير المشكل
فوهاء يفرق بين شطري وجهها
نور تخال سناه سلة منصل
يصف الغرة:
وكأنما تحت العذار صفيحة
عنيت بصفحتها مداوس صيقل
وقال أيضا:
يمج إبريقه المزاج كما
امتد شهاب في إثر عفريت
على عقار صفراء تحسبها
شيبت بمسك في الدن مفتوت
للماء فيها كتابة عجب
كمثل نقش في فص ياقوت
وقال أيضا:
وندمان سقيت الراح صرفا
وأفق الصبح مرتفع السجوف
صفت وصفت زجاجتها عليها
كمعنى رق في ذهن لطيف
الباب السابع
| فيما اخترناه من شعر ابن الحسين أبي الطيب المتنبي
قال أبو الطيب:
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا
وعناهم في شأنه ما عنانا
وتولوا بغصة كلهم من
ه وإن سر بعضهم أحيانا
ربما تحسن الصنيع ليالي
ه، ولكن تكدر الإحسانا
وكأنا لم يرض فينا بريب الد
هر حتى أعانه من أعانا
كلما أنبت الزمان قناة
ركب المرء في القناة سنانا
ومراد النفوس أصغر من أن
نتعادى فيه وأن نتفانى
غير أن الفتى يلاقي المنايا
كالحات ولا يلاقي الهوانا
ولو ان الحياة تبقى لحي
لعددنا أضلنا الشجعانا
وإذا لم يكن من الموت بد
فمن العجز أن تكون جبانا
كل ما لم يكن من الصعب في الأن
فس سهل فيها إذا هو كانا
يقول الأمر الشديد إنما يصعب على النفس قبل وقوعه فإذا وقع سهل.
وقال أيضا:
إلام طماعية العاذل
ولا رأي في الحب للعاقل
يراد من القلب نسيانكم
وتأبى الطباع على الناقل
وإني لأعشق من عشقكم
نحولي وكل امرئ ناحل
ولو زلتم ثم لم أبككم
بكيت على حبي الزائل
أينكر خدي دموعي وقد
جرت منه في مسلك سائل؟
أأول دمع جرى فوقه
وأول حزن على راحل؟
وهبت السلو لمن لامني
وبت من الشوق في شاغل
كأن الجفون على مقلتي
ثياب شققن على ثاكل
وقال أيضا:
أتراها لكثرة العشاق
تحسب الدمع خلقة في المآقي
حلت دون المزار فاليوم لو زر
ت لحال النحول دون العناق
وقال أيضا:
لو كفر العالمون نعمته
لما عدت نفسه سجاياها
كالشمس لا تبتغي بما صنعت
منفعة عندهم ولا جاها
وقال أيضا:
كدعواك كل يدعي صحة العقل
ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل
تقولين ما في الناس مثلك عاشق
جدي مثل من أحببته تجدي مثلي
وقال أيضا يمدح كافورا:
فجاءت بنا إنسان عين زمانه
وخلت سوادا خلفها ومآقيا
فتى ما سرينا في ظهور جدودنا
إلى عصره إلا نرجي التلاقيا
وقال أيضا:
شامية طالما خلوت بها
تبصر في ناظري محياها
يقول إنه قريب منها بحيث ترى وجهها في ناظره.
فقبلت ناظري تغالطني
وإنما قبلت به فاها
معنى البيت أن الناظر وهو موضع البصر من العين كالمرآة إذا قابله شيء أدى صورته؛ أي أوهمتني أنها قبلت عيني وإنما قبلت فاها الذي رأته في ناظري.