والنار قد تنتضى من ناضر السلم
يا عثرة ما وقيتم شر مصرعها
وزلة الرأي تنسي زلة القدم
وقال أيضا:
نزلوا مركز الندى وذراه
وعدتنا من دون ذاك العوادي
غير أن الربا إلى سبل الأنواء
أدنى والحظ عند الوهاد
يقول إن غيرنا قرب من الممدوح ونحن بعدنا عنه إلا أن ذلك لا يضيرنا فإن الربا أدنى إلى الغمام من الأودية، ومع ذلك فالأودية هي التي تنتفع بمائه إذ ينحدر إليها ويستقر فيها.
وقال أيضا:
ملك تضيء المكرمات إذا بدا
للملك منه غرة وجبين
ساس الجيوش سياسة ابن تجارب
رمقته عين الملك وهو جنين
لانت مهزته فعز وإنما
يشتد بأس الرمح حين يلين
وقال أيضا يذكر إحراق حيدر الأفشين وصلبه:
ما كان لولا فحش غدرة حيدر
ليكون للإسلام عام فجار
ما زال سر الكفر بين ضلوعه
حتى اصطلى سر الزناد الواري
نارا يساور جسمه من حرها
لهب كما عصفرت شق إزار
طارت لها شعل يهدم نفحها
أركانه هدما بغير غبار
لله من نار رأيت ضياءها
ضاق الفضاء به على النظار
مشبوبة رفعت لأعظم مشرك
ما كان يرفع ضوءها للساري
صلى لها حيا وكان وقودها
ميتا ويدخلها مع الفجار
وكذاك أهل النار في الدنيا هم
يوم القيامة جل أهل النار
يا مشهدا صدرت بفرحته إلى
أمصارها القصوى بنو الأمصار
رمقوا أعالي جذعه فكأنما
وجدوا الهلال عشية الإفطار
واستنشقوا منه قتارا نشره
من عنبر ذفر ومسك داري
القتار رائحة الشواء.
وتحدثوا عن هلكه كحديث من
بالبدو عن متتابع الأمطار
وتباشروا كتباشر الحرمين في
قحم السنين بأرخص الأسعار
وقال أيضا:
يقول في قومس صحبي، وقد أخذت
منها السرى وخطى المهرية القود
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا
فقلت كلا ولكن مطلع الجود
وقال أيضا:
وبساط كأنما الآل فيه
وعليه سحق الملاء الرحيض
البساط ما اتسع من الأرض، والسحق الخلق، والرحيض المغسول الأبيض.
يصبح الداعري ذو الميعة
المرجم فيه كأنه مأبوض
والداعري جمل منسوب إلى داعر، والميعة النشاط، والمرجم السريع، والمأبوض المقيد.
وقال أيضا:
كانت لكم أخلاقه معسولة
فتركتموها وهي ملح علقم
حتى إذا أجنت لكم داوتكم
من دائكم إن الثقاف يقوم
أجنت: أي حان جناها.
فقسا لتزدجروا ومن يك حازما
فليقس أحيانا على من يرحم
وقال أيضا في قوم:
لا رقة الحضر اللطيف غذتهم
وتباعدوا عن فطنة الأعراب
فإذا كشفتهم وجدت لديهم
كرم النفوس وقلة الآداب
وقال أيضا:
عجبت لصبري بعده وهو ميت
وقد كنت أبكيه دما وهو غائب
على أنها الأيام قد صرن كلها
عجائب حتى ليس فيها عجائب
وقال أيضا:
نظرت إليه فما استنمت لحظها
حتى تمنت أنها لم تنظر
ورأت شحوبا رابها في جسمه
ماذا يريبك من جواد مضمر
وقال آخر:
عتاق الوجوه وعتق الجياد
في الضمر تعرفه والقبب
يشف الوضاء خلال الشحوب
منها وخلف الدخان اللهب
وقال أيضا:
لا تنكري عطل الكريم من الغنا
فالسيل حرب للمكان العالي
وتنظري خبب الركاب ينصها
محيي القريض إلى مميت المال
يريد أن المكان العالي كقلل الجبال ونحوها لا يثبت بها ماء السيل ولا يستقر بها، وإنما ينحدر إلى الوادي وهو أوطأ محل فيستقر به، وكذلك الغناء لا يكون عند الكريم وإنما يكون عند اللئيم الدنيء.
وقال أيضا:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبدا لأول منزل
وقال أيضا:
مهذب قدت النبوة والإس
لام قد الشراك من نسبه
له جلال إذا تسربله
أكسبه البأو غير مكتسبه
والحظ يعطاه غير طالبه
ويحرز الدر غير مجتلبه
يقول ألبسه قدره جلالة العظمة من غير أن يسعى في اكتسابها.
وقال أيضا في الخمر:
وكأس كمعسول الأماني شربتها
ولكنها أجلت، وقد شربت عقلي
إذا هي دبت في الفتى خال جسمه
لما دب فيه قرية من قرى النمل
ومن عادة الخمر أنها تعقد لسان شاربها، وقد قيل في ذلك أنها لما استخفت المرء حتى يفضي بأسراره عقدت لسانه كيلا يبيح بها.
الباب الرابع
| فيما اخترناه من شعر أبي عبادة البحتري