تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك فقال له عمر بم أفتيتهم قال : أفتيتهم بأكله فقال : ( لو أفتيتهم بغير ذلك لأوجعتك ) .

وجملة : ﴿ كأنما يساقون إلى الموت ﴾ في موضع الحال من الضمير المرفوع في ﴿ يجادلونك ﴾ أي حالتهم في وقت مجادلتهم إياك تشبه حالتهم لو ساقهم سائق إلى الموت ، والمراد بالموت الحالة المضادة للحياة وهو معنى تكرهه نفوس البشر ، ويصوره كل عقل بما يتخيله من الفظاعة والبشاعة كما تصوره أبو ذؤيب في صورة سبع في قوله :

وإذا المنية أنشبت أظفارها

وكما تخيل ، تأبط شرا الموت طامعا في اغتياله فنجا منه حين حاصره أعداؤه في جحر في جبل :

فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا

به كدحة والموت خزيان ينظر

فقوله تعالى : ﴿ كأنما يساقون إلى الموت ﴾ تشبيه لحالهم ، في حين المجادلة في اللحاق بالمشركين ، بحال من يجادل ويمانع من يسوقه إلى ذات الموت .

وهذا التفسير أليق بالتشبيه لتحصل المخالفة المطلقة بين الحالة المشبهة والحالة المشبه بها ، وإلا فإن أمرهم بقتال العدو الكثير العدد ، وهم في قلة ، إرجاء بهم إلى الموت إلا أنه موت مظنون ، وبهذا التفسير يظهر حسن موقع جملة : ﴿ وهم ينظرون ﴾ أما المفسرون فتأولوا الموت في الآية بأنه الموت المتيقن فيكون التخالف بين المشبه والمشبه به تخالفا بالتقييد .

وجملة : ﴿ وهم ينظرون ﴾ حال من ضمير ﴿ يساقون ﴾ ومفعول ﴿ ينظرون ﴾ محذوف دل عليه قوله : ﴿ إلى الموت ﴾ أي : وهم ينظرون الموت ، لأن حالة الخوف من الشيء المخوف إذا كان منظورا إليه تكون أشد منها لو كان يعلم أنه يساق إليه ولا يراه ، لأن للحس من التأثير على الإدراك ما ليس لمجرد التعقل ، وقريب من هذا المعنى قول جعفر بن علبة :

يرى غمراتت الموت ثم يزورها

وفي عكسه في المسرة قوله تعالى : ﴿ وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ﴾ ( البقرة : 50 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٩ · الصفحة ٢٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٩ · ص ٢٦٨