شأنه أن لا يقع ، إذ كان الشأن اتباع ما يحبه الرسول صلى الله عليه وسلم أو التفويض إليه ، وما كان ينبغي لهم أن يكرهوا لقاء العدو . ويستلزم هذا التنزيل التعجيب من حال المخبر عنهم بهذه الكراهية فيكون تأكيد الخبر كناية عن التعجيب من المخبر عنهم .
وجملة ﴿ يجادلونك ﴾ حال من ﴿ فريقا ﴾ فالضمير لفريق باعتبار معناه لأنه يدل على جمع . وصيغة المضارع لحكاية حال المجادلة زيادة في التعجيب منها ، وهذا التعجيب كالذي في قوله تعالى : ﴿ يجادلنا ﴾ من قوله : ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ﴾ ( هود : 74 ) إذ قال ﴿ يجادلنا ﴾ ولم يقل ( جادلنا ) .
وقوله : ﴿ بعد ما تبين ﴾ لوم لهم على المجادلة في الخروج الخاص ، وهو الخروج للنفير وترك العير ، بعد أن تبين أي ظهر أن الله قدر لهم النصر ، وهذا التبين هو بين في ذاته سواء شعر به كلهم أو بعضهم فإنه بحيث لا ينبغي الاختلاف فيه ، فإنهم كانوا عربا أذكياء ، وكانوا مؤمنين أصفياء ، وقد أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله ناصرهم على إحدى الطائفتين : طائفة العير أو طائفة النفير ، فنصرهم إذن مضمون ، ثم أخبرهم بأن العير قد أخطأتهم ، وقد بقي النفير ، فكان بينا أنهم إذا لقوا النفير ينصرهم الله عليه ، ثم رأوا كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لما اختاروا العير ، فكان ذلك كافيا في اليقين بأنهم إذا لقوا المشركين ينتصرون عليهم لا محالة ، ولكنهم فضلوا غنيمة العير على خضد شوكة أعدائهم ونهوضض شوكتهم بنصر بدر ، فذلك معنى تبين الحق أي رجحان دليله في ذاته ، ومن خفي عليه هذا التبين من المؤمنين لم يعذره الله في خفائه عليه .
ومن هذه الآية يؤخذ حكم مؤاخذة المجتهد إذا قصر في فهم ما هو مدلول لأهل النظر ، وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم من سؤال الذي سأله عن ضالة الإبل بعد أن سأله عن ضالة الغنم فأجابه هي لك أو لأخيك أو للذئب . فلما سأله بعد ذلك عن ضالة الإبل تمعر وجهه وقال ( مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها تشرب الماء وترعى الشجر حتى يلقاها ربها ) وروى مالك ، في ( الموطأ ) ، أن أبا هريرة مر بقوم محرمين فاستفتوه في لحم صيد وجدوا أناسا أحلة يأكلونه فأفتاهم بالأكل منه ثم قدم المدينة فسأل عمر بن الخطاب عن