تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجملة : ﴿ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ﴾ استئناف بياني ، لأن التمثيل المذكور قبلها يثير في نفس السامع سؤالا ، أن يقول : كيف رضوا لأنفسهم البقاء في هذه الضلالات ، وكيف لم يشعروا بالبون بين حالهم وحال الذين أسلموا ؛ فإذا كانوا قبل مجيء الإسلام في غفلة عن انحطاط حالهم في اعتقادهم وأعمالهم ، فكيف لما دعاهم الإسلام إلى الحق ونصب لهم الأدلة والبراهين بقوا في ضلالهم لم يقلعوا عنه وهم أهل عقول وفطنة فكان حقيقا بأن يبين له السبب في دوامهم على الضلال ، وهو أن ما عملوه كان تزينه لهم الشياطين ، هذا التزيين العجيب ، الذي لو أراد أحد تقريبه لم يجد ضلالا مزينا أوضح منه وأعجب فلا يشبه ضلالهم إلا بنفسه على حد قولهم : ( والسفاهة كاسمها ) .

واسم الإشارة في قوله : ﴿ كذلك زين للكافرين ﴾ مشار به إلى التزيين المأخوذ من فعل ﴿ زين ﴾ أي مثل ذلك التزيين للكافرين العجيب كيدا ودقة زين لهؤلاء الكافرين أعمالهم على نحو ما تقدم في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة البقرة ( 143 ) .

وحذف فاعل التزيين فبني الفعل للمجهول : لأن المقصود وقوع التزيين لا معرفة من أوقعه . والمزين شياطينهم وأولياؤهم ، كقوله : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم } ( الأنعام : 137 ) ، ولأن الشياطين من الإنس هم المباشرون للتزيين ، وشياطين الجن هم المسولون المزينون . والمراد بالكافرين المشركون الذين الكلام عليهم في الآيات السابقة إلى قوله : ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ﴾ ( الأنعام : 121 ) .

| 2 ( 123 ) ﴿ وكذالك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ﴾ . ) 2

إجابة لطلبة إبليس ، لأنه أهون على الله من أن يجيب له طلبا ، وهذه هي النكتة في العدول عن أن يكون الجواب : أنظرتك أو أجبت لك مما يدل على تكرمة باستجابة طلبه ، ولكنه أعلمه أن ما سأله أمر حاصل فسؤاله تحصيل حاصل .

| 2 ( 16 ، 17 ) ﴿ قال فبمآ أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمآئلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ . ) 2

الفاء للترتيب والتسبب على قوله : ﴿ إنك من الصاغرين ﴾ ( الأعراف : 13 ) ثم قوله ﴿ إنك من المنظرين ﴾ ( الأعراف : 15 ) .

فقد دل مضمون ذينك الكلامين أن الله خلق في نفس إبليس مقدرة على إغواء الناس بقوله : ﴿ إنك من الصاغرين ﴾ ( الأعراف : 13 ) وإنه جعله باقيا متصرفا بقواه الشريرة إلى يوم البعث ، فأحس إبليس أنه سيكون داعية إلى الضلال والكفر ، بجبلة قلبه الله إليها قلبا وهو من المسخ النفساني ، وإنه فاعل ذلك لا محالة مع علمه بأن ما يصدر عنه هو ضلال وفساد ، فصدور ذلك منه كصدور النهش من الحية ، وكتحرك الأجفان عند مرور شيء على العين ، وإن كان صاحب العين لا يريد تحريكهما .

والباء في قوله : ﴿ فبما أغويتني ﴾ سببية وهي ظرف مستقر واقع موقع الحال من فاعل ﴿ لأقعدن ﴾ ، أي أقسم لهم حال كون ذلك مني بسبب إغوائك إياي . واللام في ﴿ لأقعدن ﴾ لام القسم : قصد تأكيد حصول ذلك وتحقيق العزم عليه .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ٤٦