تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القطب الرازي في ( شرح الكشاف ) القبيل الأول ، ونحا التفتزاني القبيل الثاني ، والأظهر ما نحاه التفتزاني : أنهما استعارتان تمثيليتان ، وأما كاف التشبيه فهو متوجه إلى المشابهة المنفية في مجموع الجملتين لا إلى مشابهة الحالين بالحالين ، فمورد كاف التشبيه غير مورد تمثيل الحالين . وبين الاعتبارين بون خفي .

والمراد : ب ﴿ الظلمات ﴾ ظلمة القبر لمناسبته للميت ، وبقرينة ظاهر ﴿ في ﴾ من حقيقة الظرفية وظاهر حقيقة فعل الخروج .

ولقد جاء التشبيه بديعا : إذ جعل حال المسلم ، بعد أن صار إلى الإسلام ، بحال من كان عديم الخير ، عديم الإفادة كالميت ، فإن الشرك يحول دون التمييز بين الحق والباطل ، ويصرف صاحبه عن السعي إلى ما فيه خيره ونجاته ، وهو في ظلمة لو أفاق لم يعرف أين ينصرف ، فإذا هداه الله إلى الإسلام تغير حاله فصار يميز بين الحق والباطل ، ويعلم الصالح من الفاسد ، فصار كالحي وصار يسعى إلى ما فيه الصلاح ، ويتنكب عن سبيل الفساد ، فصار في نور يمشي به في الناس . وقد تبين بهذا التمثيل تفضيل أهل استقامة العقول على أضدادهم .

والباء في قوله : ﴿ يمشي به ﴾ باء السببية . والناس المصرح به في الهيئة المشبه بها هم الأحياء الذين لا يخلو عنهم المجتمع الإنساني . والناس المقدر في الهيئة المشبهة هم رفقاء المسلم من المسلمين . وقد جاء المركب التمثيلي تاما صالحا لاعتبار تشبيه الهيئة بالهيئة ، ولاعتبار تشبيه كل جزء من أجزاء الهيئة المشبهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبه بها ، كما قد علمته وذلك أعلى التمثيل .

وجملة : ﴿ ليس بخارج منها ﴾ حال من الضمير المجرور بإضافة ( مثل ) ، أي ظلمات لا يرجى للواقع فيها تنور بنور ما دام في حالة الإشراك .

المقام استعمال فاء التعليل ، فهذا إذا كان المراد من الخبر إظهار ما فيه من الصغار والحقارة التي غفل عنها فذهبت به الغفلة عنها إلى التكبر .

وقوله : ﴿ إنك من الصاغرين ﴾ أشد في إثبات الصغار له من نحو : إنك صاغر ، أو قد صغرت ، كما تقدم في قوله تعالى : ﴿ قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين في سورة الأنعام ( 56 ) ، وقوله آنفا : لم يكن من الساجدين ﴾ . والصاغر المتصف بالصغار وهو الذل والحقارة ، وإنما يكون له الصغار عند الله لأن جبلته صارت على غير ما يرضي الله ، وهو صغار الغواية ، ولذلك قال بعد هذا : ﴿ فبما أغويتني ﴾ ( الأعراف : 16 ) .

| 2 ( 14 ، 15 ) ﴿ قال أنظرنى إلى يوم يبعثون * قال إنك من المنظرين ﴾ . ) 2

لما كون الله فيه الصغار والحقارة بعد عزة الملكية وشرفها انقلبت مرامي همته إلى التعلق بالسفاسف ( إذا ما لم تكن إبل فمعزى ) فسأل النظرة بطول الحياة إلى يوم البعث ، إذ كان يعلم قبل ذلك أنه من الحوادث الباقية لأنه من أهل العالم الباقي ، فلما أهبط إلى العالم الأرضي ظن أنه صائر إلى العدم فلذلك سأل النظرة إبقاء لما كان له من قبل ، وإذ قد كان ذلك بتقدير الله تعالى وعلمه ، وبدر من إبليس طلب النظرة ، قال الله تعالى : ﴿ إنك من المنظرين ﴾ أي إنك من المخلوقات الباقية .

وقد أفاد التأكيد بإن والإخبار بصيغة ﴿ من المنظرين ﴾ أن إنظاره أمر قد قضاه الله وقدره من قبلل سؤاله ، أي تحقق كونك من الفريق الذين أنظروا إلى يوم البعث ، أي أن الله خلق خلقا وقدر بقاءهم إلى يوم البعث ، فكشف لإبليس أنه بعض من جملة المنظرين من قبل حدوث المعصية منه ، وإن الله ليس بمغير ما قدره له ، فجواب الله تعالى لإبليس إخبار عن أمر تحقق ، وليس

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ٤٥