عطف على جملة : ﴿ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ﴾ ( الأنعام : 122 ) فلها حكم الاستئناف البياني ، لبيان سبب آخر من أسباب استمرار المشركين على ضلالهم ، وذلك هو مكر أكابر قريتهم بالرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين وصرفهم الحيل لصد الدهماء عن متابعة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشار إليه بقوله : ﴿ وكذلك ﴾ أولياء الشياطين بتأويل ﴿ كذلك ﴾ المذكور .
والمعنى : ومثل هذا الجعل الذي جعلناه لمشركي مكة جعلنا في كل قرية مضت أكابر يصدون عن الخير ، فشبه أكابر المجرمين من أهل مكة في الشرك بأكابر المجرمين في أهل القرى في الأممم الأخرى ، أي أن أمر هؤلاء ليس ببدع ولا خاص بأعداء هذا الدين ، فإنه سنة المجرمين مع الرسل الأولين .
فالجعل : بمعنى الخلق ووضعع السنن الكونية ، وهي سنن خلق أسباب الخير وأسباب الشر في كل مجتمع ، وبخاصة القرى .
وفي هذا تنبيه على أن أهل البداوة أقرب إلى قبول الخير من أهل القرى ، لأنهم لبساطة طباعهم من الفطرة السليمة ، فإذا سمعوا الخير تقبلوه ، بخلاف أهل القرى ، فإنهم لتشبثهم بعوائدهم وما ألفوه ، ينفرون من كل ما يغيره عليهم ، ولهذا قال الله تعالى : ﴿ وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ﴾ ( التوبة : 101 ) فجعل النفاق في الأعراب نفاقا مجردا ، والنفاق في أهل المدينة نفاقا ماردا .
وقد يكون الجعل بمعنى التصيير ، وهو تصيير خلق على صفة مخصوصة أو تصيير مخلوق إلى صفة بعد أن كان في صفة أخرى ، ثم إن تصارع الخير والشر يكون بمقدار غلبة أهل أحدهما على أهل الآخر ، فإذا غلب أهل الخير انقبض دعاة الشر والفساد ، وإذا انعكس الأمر انبسط دعاة الشر وكثروا .
وقدم المجرور على عامله لإفادة معنى التعليل ، وهو قريب من الشرط فلذلك استحق التقديم فإن المجرور إذا قدم قد يفيد معنى قريبا من الشرطية ، كما في قول النبيء صلى الله عليه وسلم ( كما تكونوا يولى عليكم ) وفي رواية جزم تكونوا مع عدم معاملة عامله معاملة جواب الشرط بعلامة الجزم فلم يرو ( يولى ) إلا بالألف في آخره على عدم اعتبار الجزم . وذلك يحصل من الاهتمام بالمتعلق ، إذ كان هو السبب في حصول المتعلق به ، فالتقديم للاهتمام ، ولذلك لم يكن هذا التقديم منافيا لتصدير لام القسم في جملتها ، على أنا لا نلتزم ذلك فقد خولف في كثير من كلام العرب . وما مصدرية ، والقعود كناية عن الملازمة كما في قول النابغة :
قعودا لدى أبياتهم يثمدونهم
رمى الله في تلك الأكف الكوانع
أي ملازمين أبياتا لغيرهم يرد الجلوس ، إذ قد يكونون يسألون واقفين ، وماشين ، ووجه الكناية هو أن ملازمة المكان تستلزم الإعياء من الوقوف عنده ، فيقعد الملازم طلبا للراحة ، ومن ثم أطلق على المستجير اسم القعيد ، ومن إطلاق القعيد على الملازم قوله تعالى : ﴿ إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ﴾ ( ق : 17 ) أي ملازم إذ الملك لا يوصف بقعود ولا قيام .
ولما ضمن فعل : ﴿ لأقعدن ﴾ معنى الملازمة انتصب ﴿ صراطك ﴾ على المفعولية ، أو على تقدير فعل تضمنه معنى لأقعدن تقديره : فامنعن صراطك أو فأقطعن عنهم صراطك ، واللام في لهم للأجل كقوله : ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ ( التوبة : 5 ) .
وإضافة الصراط إلى اسم الجلالة على تقدير اللام أي الصراط الذي هو لك أي الذي جعلته طريقا لك ، والطريق لله هو العمل الذي يحصل به ما يرضي الله بامتثال أمره ، وهو فعل الخيرات ، وترك السيئات ، فالكلام تمثيل هيئة العازمين على فعل الخير ، وعزمهم عليه ، وتعرض الشيطان لهم بالمنع من فعله ، بهيئة الساعي في طريق إلى مقصد ينفعه وسعيه إذا اعترضه في طريقه قاطع طريق منعه من المرور فيه .