تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما قاله هذا الملقب بعلم الهدى صحيحا ولا سند له أصلا . قال الطبري : ولا نعلم أحدا من سلف هذه الأمة كف عن أكل ما أحل الله من الذبائح .

والوجه عندي أن سبب نزول هذه الآية ما تقدم آنفا من أن المشركين قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمسلمين ، لما حرم الله أكل الميتة : ( أنأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل الله ) يعنون الميتة ، فوقع في أنفس بعض المسلمين شيء ، فأنزل الله ﴿ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ أي فأنبأهم الله بإبطال قياس المشركين المموه بأن الميتة أولى بالأكل مما قتله الذابح بيده ، فأبدى الله للناس الفرق بين الميتة والمذكى ، بأن المذكى ذكر اسم الله عليه ، والميتة لا يذكر اسم الله عليها ، وهو فارق مؤثر . وأعرض عن محاجة المشركين لأن الخطاب مسوق إلى المسلمين لإبطال محاجة المشركين فآل إلى الرد على المشركين بطريق التعريض . وهو من قبيل قوله في الرد على المشركين ، في قولهم : ﴿ إنما البيع مثل الربا ﴾ ( البقرة : 275 ) ، إذ قال : ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ ( البقرة : 275 ) كما تقدم هنالك ، فينقلب معنى الاستفهام في قوله : ﴿ وما لكم أن لا تأكلوا ﴾ إلى معنى : لا يسول لكم المشركون أكل الميتة ، لأنكم تأكلون ما ذكر اسم الله عليه ، هذا ما قالوه وهو تأويل بعيد عن موقع الآية .

وقوله : ﴿ وقد فصل لكم ما حرم عليكم ﴾ جملة في موضع الحال مبينة لما قبلها ، أي لا يصدكم شيء من كل ما أحل الله لكم ، لأن الله قد فصل لكم ما حرم عليكم فلا تعدوه إلى غيره . فظاهر هذا أن الله قد بين لهم ، من قبل ، ما حرمه عليهم من المأكولات ، فلعل ذلك كان بوحي غير القرآن ، ولا يصح أن يكون المراد ما في آخر هذه السورة من قوله : ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما ﴾ ( الأنعام : 145 ) الآية ، لأن هذه السورة نزلت جملة واحدة على الصحيح ، كما تقدم في ديباجة تفسيرها ، فذلك يناكد أن يكون المتأخر في التلاوة متقدما نزوله ، ولا أن يكون المراد ما في

التي أهلته لسيادة هذا العالم والتغلب على مصاعبه ، وليس المراد من التمكين هنا القوة والحكم كالمراد في قوله تعالى : إنا مكنا له في الأرض } ( الكهف : 84 ) لأن ذلك ليس حاصلا بجميع البشر إلا على تأويل ، وليس المراد بالتمكين أيضا معناه الحقيقي وهو جعل المكان في الأرض لأن قوله : ﴿ في الأرض ﴾ يمنع من ذلك ، لأنه لو كان كذلك لقال ولقد مكناكم الأرض ، وقد قال تعالى عن عاد : ﴿ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ﴾ ( الأحقاف : 26 ) أي جعلنا ما أقررناهم عليه أعظم مما أقدرناكم عليه ، أي في آثارهم في الأرض أما أصل القرار في الأرض فهو صراط بينهما .

ومعايش جمع معيشه ، وهي ما يعيش به الحي من الطعام والشراب ، مشتقة من العيش وهو الحياة ، وأصل المعيشة اسم مصدر عاش قال تعالى : ﴿ فإن له معيشة ضنكا ﴾ ( طه : 124 ) سمي به الشيء الذي يحصل به العيش ، تسمية للشيء باسم سببه على طريقة المجاز الذي غلب حتى صار مساويا للحقيقة .

وياء ( معايش ) أصل في الكلمة لأنها عين الكلمة من المصدر ( عيش ) فوزن معيشة مفعلة ومعايش مفاعل ، فحقها أن ينطق بها في الجمع ياء وأن لا تقلب همزة . لأن استعمال العرب في حرف المد الذي في المفرد أنهم إذا جمعوه جمعا بألف زائدة ردوه إلى أصله واوا أو ياء بعد ألف الجمع ، مثل : مفازة ومفاوز ، فيما أصله واو من الفوز ومعيبة ومعايب فيما أصله الياء ، فإذا كان حرف المد في المفرد غير أصلي فإنهم إذا جمعوه جمعا بألف زائدة قلبوا حرف المد همزة نحو قلادة وقلائد ، وعجوز وعجائز ، وصحيفه وصحائف ، وهذا الاستعمال من لطائف التفرقه بين حرف المد الأصلي والمد الزائد واتفق القراء على قراءته بالياء ، وروى خارجة بن مصعب ، وحميد بن عمير ، عن نافع أنه قرأ : معائش بهمز بعد الألف ، وهي رواية شاذة عنه لا يعبأ بها ، وقرىء في الشاذ : بالهمز ، رواه عن الأعرج ، وفي ( الكشاف ) نسبة هذه القراءة إلى ابن عامر وهو سهو من الزمخشري .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ٣٤