تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الله ، وأنه جعله دينا قيما على قواعد ملة إبراهيم عليه السلام ، إلا أنه زائد عليه بما تضمنه من نعمة الله عليه إذ هداه إلى ذلك الصراط الذي هو سبيل النجاة . وافتتح الخبر بحرف التأكيد لأن الخطاب للمشركين المكذبين .

وتعريف المسند إليه بالإضافة للاعتزاز بمربوبية الرسول صلى الله عليه وسلم لله تعالى ، وتعريضا بالمشركين الذين أضلهم أربابهم ، ولو وحدوا الرب الحقيق بالعبادة لهداهم .

وقوله : ﴿ هداني ربي إلى صراط مستقيم ﴾ تمثيلية : شبهت هيئة الإرشاد إلى الحق المبلغ إلى النجاة بهيئة من يدل السائر على الطريق المبلغة للمقصود .

والمناسبة بين الهداية وبين الصراط تامة ، لأن حقيقة الهداية التعريف بالطريق ، يقال : هو هاد خريت ، وحقيقة الصراط الطريق الواسعة . وقد صح أن تستعار الهداية للإرشاد والتعليم ، والصراط للدين القويم ، فكان تشبيها مركبا قابلا للتفكيك وهو أكمل أحوال التمثيلية .

ووصف الصراط بالمستقيم ، أي الذي لا خطأ فيه ولا فساد ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ﴿ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ﴾ ( الأنعام : 153 ) ، والمقصود إتمام هيئة التشبيه بأنه دين لا يتطرق متبعه شك في نفعه كما لا يتردد سالك الطريق الواسعة التي لا انعطاف فيها ولا يتحير في أمره .

وفي قوله : ﴿ دينا ﴾ تجريد للاستعارة مؤذن بالمشبه ، وانتصب على الحال من : ﴿ صراط ﴾ لأنه نكرة موصوفة .

والدين تقدم عند قوله تعالى : ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ ( آل عمران : 19 ) وهو السيرة التي يتبعها الناس .

الإغراق ، والإنجاء واقع بعده ، وليتأتى هذا التقديم عطف فعل الإنجاء بالواو المفيدة لمطلق الجمع ، دون الفاء .

وقوله : ﴿ في الفلك ﴾ متعلق بمعنى قوله : ﴿ معه ﴾ لأن تقديره : استقروا معه في الفلك ، وبهذا التعليق علم أن الله أمره أن يحمل في الفلك معشرا ، وأنهم كانوا مصدقين له ، فكان هذا التعليق إيجازا بديعا .

والفلك تقدم في قوله تعالى : { إن في خلق السماوات والأرض في سورة البقرة ( 164 ) .

والذين معه } هم الذين آمنوا به ، وسنذكر تعيينهم عند الكلام على قصته في سورة هود .

والإتيان بالموصول في قوله : ﴿ وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ﴾ دون أن يقال : وأغرقنا سائرهم ، أو بقيتهم ، لما تؤذن به الصلة من وجه تعليل الخبر في قوله : ﴿ وأغرقنا ﴾ أي أغرقناهم لأجل تكذيبهم .

وجملة : ﴿ إنهم كانوا قوما عمين ﴾ تتنزل منزلة العلة لجملة ﴿ أغرقنا ﴾ كما دل عليه حرف ( إن ) لأن حرف ( إن ) هنا لا يقصد به رد الشك والتردد ، إذ لا شك فيه ، وإنما المقصود من الحرف الدلالة على الاهتمام بالخبر ، ومن شأن ( إن ) إذا جاءت للاهتمام أن تقوم مقام فاء التفريع ، وتفيد التعليل وربط الجملة بالتي قبلها . ففصل هذه الجملة كلا فصل .

و ﴿ عمين ﴾ جمع عمم جمع سلامة بواو ونون . وهو صفة على وزن فعل مثل أشر ، مشتق من العمى ، وأصله فقدان البصر ، ويطلق مجازا على فقدان الرأي النافع ، ويقال : عمى القلبب ، وقد غلب في الكلام تخصيص الموصوف بالمعنى المجازي بالصفة المشبهة لدلالتها على ثبوت الصفة ، وتمكنها بأن تكون سجية وإنما يصدق ذلك في فقد الرأي ، لأن المرء يخلق عليه غالبا ، بخلاف فقد البصر ، ولذلك قال تعالى هنا ﴿ عمين ﴾ ولم يقل عميا كما

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٩٨