ولذلك أعقبه بقوله : ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ والضمير يعود إلى ﴿ من جاء بالسيئة ﴾ ، إظهار للعدل ، فلذلك سجل الله عليهم بأن هذا لا ظلم فيه لينصفوا من أنفسهم . وأما عد عود الضميرين إلى الفريقين فلا يناسب فريق أصحاب الحسنات ، لأنه لا يحسن أن يقال للذي أكرم وأفيض عليه الخير إنه غير مظلوم .
$ 2 ( 161 ) { قل إننى هدانى ربى &
1764 إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } . ) 2 $
استئناف ابتدائي للانتقال من مجادلة المشركين ، وما تخللها ، إلى فذلكة ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن ، غلقا لباب المجادلة مع المعرضين ، وإعلانا بأنه قد تقلد لنفسه ما كان يجادلهم فيه ليتقلدوه وأنه ثابت على ما جاءهم به ، وأن إعراضهم لا يزلزله عن الحق .
وفيه إيذان بانتهاء السورة لأن الواعظ والمناظر إذا أشبع الكلام في غرضه ، ثم أخذ يبين ما رضيه لنفسه وما قر عليه قراره ، علم السامع أنه قد أخذ يطوي سجل المحاجة ، ولذلك غير الأسلوب . فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول أشياء يعلن بها أصول دينه ، وتكرر الأمر بالقول ثلاث مرات تنويها بالمقول .
وقوله : ﴿ إنني هداني ربي ﴾ متصل بقوله : ﴿ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ﴾ ( الأنعام : 153 ) الذي بينه بقوله : ﴿ وهذا كتاب أنزلناه مبارك ﴾ ( الأنعام : 92 ) فزاده بيانا بقوله هذا : ﴿ قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ﴾ ، ليبين أن هذا الدين إنما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بهدي
ومعنى ( لعل ) تقدم في قوله تعالى : لعلكم تتقون } في سورة البقرة ( 21 ) .
والرحمة تقدمت عند قوله تعالى : ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ في سورة الفاتحة ( 3 ) .
| 2 ( 64 ) ﴿ فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بئاياتنآ إنهم كانوا قوما عمين ﴾ . ) 2
وقع التكذيب من جميع قومه : من قادتهم ، ودهمائهم ، عدا بعض أهل بيته ومن آمن به عقب سماع قول نوح ، فعطف على كلامه بالفاء أي صدر منهم قول يقتضي تكذيب دعوى أنه رسول من رب العالمين يبلغ وينصح ويعلم ما لا يعلمون ، فصار تكذيبا أعم من التكذيب الأول ، فهو بالنسبة للملأ يؤول إلى معنى الاستمرار على التكذيب ، وبالنسبة للعامة تكذيب أنف ، بعد سماع قول قادتهم وانتهاء المجادلة بينهم وبين نوح ، فليس الفعل مستعملا في الاستمرار كما في قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ﴾ ( النساء : 136 ) إذ لا داعي إليه هنا ، وضمير الجمع عائد إلى القوم ، والفاء في قوله : ﴿ فأنجيناه ﴾ للتعقيب ، وهو تعقيب عرفي : لأن التكذيب حصل بعده الوحي إلى نوح بأنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن ، ولا يرجى زيادة مؤمن آخر ، وأمره بأن يدخل الفلك ويحمل معه من آمن إلى آخر ما قصه الله في سورة هود .
وقدم الإخبار بالإنجاء على الإخبار بالإغراق ، مع أن مقتضى مقام العبرة تقديم الإخبار بإغراق المنكرين ، فقدم الإنجاء للاهتمام بإنجاء المؤمنين وتعجيلا لمسرة السامعين من المؤمنين بأن عادة الله إذا أهلك المشركين أن ينجي الرسول والمؤمنين ، فذلك التقديم يفيد التعريض بالنذارة ، وإلا فإن الإغراق وقع قبل الإنجاء ، إذ لا يظهر تحقق إنجاء نوح ومن معه إلا بعد حصول العذاب لمن لم يؤمنوا به ، فالمعقب به التكذيب ابتداء هو