تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والقيم بفتح القاف وتشديد الياء كما قرأه نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر ، ويعقوب : وصف مبالغة قائم بمعنى معتدل غير معوج ، وإطلاق القيام على الاعتدال والاستقامة مجاز ، لأن المرء إذا قام اعتدلت قامته ، فيلزم الاعتدال القيام . والأحسن أن نجعل القيم للمبالغة في القيام بالأمر ، وهو مرادف القيوم ، فيستعار القيام للكفاية بما يحتاج إليه والوفاء بما فيه صلاح المقوم عليه ، فالإسلام قيم بالأمة وحاجتها ، يقال : فلان قيم على كذا ، بمعنى مدبر له ومصلح ، ومنه وصف الله تعالى بالقيوم ، وهذا أحسن لأن فيه زيادة على مفاد مستقيم الذي أخذ جزءا من التمثيلية ، فلا تكون إعادة لبعض التشبيه .

وقرأ عاصم ، وحمزة ، وابن عامر ، والكسائي ، وخلف : ﴿ قيما ﴾ بكسر القاف وفتح الياء مخففة وهو من صيغ مصادر قام ، فهو وصف للدين بمصدر القيام المقصود به كفاية المصلحة للمبالغة ، وهذه زنة قليلة في المصادر ، وقلب واوه ياء بعد الكسرة على غير الغالب : لأن الغالب فيه تصحيح لامه لأنها مفتوحة ، فسواء في خفتها وقوعها على الواو أو على الياء ، مثل عوض وحول ، وهذا كشذوذ جياد جمع جواد ، وانتصب ﴿ قيما ﴾ على الوصف ل ﴿ دينا ﴾ .

وقوله : ﴿ ملة إبراهيم ﴾ حال من : ﴿ دينا ﴾ أو من : ﴿ صراط مستقيم ﴾ أو عطف بيان على ﴿ دينا ﴾ .

والملة ، الدين : فهي مرادفة الدين ، فالتعبير بها هنا للتفنن ألا ترى إلى قوله تعالى : ﴿ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين ﴾ ( البقرة : 132 ) .

و ﴿ ملة ﴾ فعلة بمعنى المفعول ، أي المملول ، من أمللت الكتاب إذا لقنت الكاتب ما يكتب ، وكان حقها أن لا تقترن بهاء التأنيث لأن زنة ( فعل ) بمعنى المفعول تلزم التذكير ، كالذبح ، إلا أنهم

قال في الآية الأخرى ﴿ عميا وبكما وصما ﴾ ( الإسراء : 97 ) ومثله قول زهير :

ولكنني عن علمم ما في غد عم

والذين كذبوا كانوا عمين لأن قادتهم داعون إلى الضلالة مؤيدونها ، ودهماؤهم متقبلون تلك الدعوة سماعون لها .

وقد دلت هذه القصة على معنى عظيم في إرادة الله تعالى تطور الخلق الإنساني : فإن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وخلق له الحس الظاهر والحس الباطن ، فانتفع باستعمال بعض قواه الحسية في إدراك أوائل العلوم ، ولكنه استعمل بعض ذلك فيما جلب إليه الضر والضلال ، وذلك باستعمال القواعد الحسية فيما غاب عن حسه وإعانتها بالقوى الوهمية والمخيلة ، ففكر في خالقه وصفاته فتوهم له أندادا وأعوانا وعشيرة وأبناء وشركاء في ملكه ، وتفاقم ذلك في الإنسان مع مرور الأزمان حتى عاد عليه بنسيان خالقه ، إذ لم يدخل العلم به تحت حواسه الظاهرة ، وأقبل على عبادة الآلهة الموهومة حيث اتخذ لها صورا محسوسة ، فأراد الله إصلاح البشر وتهذيب إدراكهم ، فأرسل إليهم نوحا فآمن به قليل من قومه وكفر به جمهورهم ، فأراد الله انتخاب الصالحين من البشر الذين قبلت عقولهم الهدى ، وهم نوح ومن آمن به ، واستيصال الذين تمكنت الضلالة من عقولهم لينشىء من الصالحين ذرية صالحة ويكفي الإنسانية فساد الضالين ، كما قال نوح : ﴿ إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ﴾ ( نوح : 27 ) ، فكانت بعثة نوح وما طرأ عليها تجديدا لصلاح البشر وانتخابا للأصلح .

| 2 ( 65 ، 66 ) ﴿ وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره أفلا تتقون * قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين ﴾ . ) 2

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٩٩