تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والقربى : القرابة ويعلم أنه ذو قرابة من القائل ، أي إذا قلتم قولا لأجله أو عليه فاعدلوا ولا تقولوا غير الحق ، لا لدفع ضره بأن تغمصوا الحق الذي عليه ، ولا لنفعه بأن تختلقوا له حقا على غيره أو تبرءوه مما صدر منه على غيره ، وقد قال الله تعالى في العدل في الشهادة والقضاء : كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين } ( النساء : 135 ) .

وقد جاء طلب الحق في القول بصيغة الأمر بالعدل ، دون النهي عن الظلم أو الباطل : لأنه قيده بأداة الشرط المقتضي لصدور القول : فالقول إذا صدر لا يخلو عن أن يكون حقا أو باطلا ، والأمر بأن يكون حقا أوفى بمقصد الشارع لوجهين : أحدهما : أن الله يحب إظهار الحق بالقول ، ففي الأمر بأن يكون عدلا أمر بإظهاره ونهي عن السكوت بدون موجب . الثاني : أن النهي عن قول الباطل أو الزور يصدق بالكلام الموجه الذي ظاهره ليس بحق ، وذلك مذموم إلا عند الخوف أو الملاينة ، أو فيما لا يرجع إلى إظهار حق ، وتلك هي المعاريض التي ورد فيها حديث : ( إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ) .

ختم هذه المتلوات بالأمر بإيفاء العهد بقوله : ﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ . وعهد الله المأمور بالإيفاء به هو كل عهد فيه معنى الانتساب إلى الله الذي

والحثيث : المسرع ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، من حثه إذا أعجله وكرر إعجاله ليبادر بالعجلة ، وقريب من هذا قول سلامة من جندل يذكر انتهاء شبابه وابتداء عصر شيبه :

أودى الشباب الذي مجد عواقبه

فيه نلذ ولا لذاتت للشيب

ولى حثيثا وهذا الشيب يتبعه

لو كان يدركه ركض اليعاقيب

فالمعنى يطلبه سريعا مجدا في السرعة لأنه لا يلبث أن يعفى أثره .

﴿ والشمس والقمر والنجوم ﴾ بالنصب في قراءة الجمهور معطوفات على السماوات والأرض ، أي وخلق الشمس والقمر والنجوم ، وهي من أعظم المخلوقات التي اشتملت عليها السماوات . و ﴿ مسخرات ﴾ حال من المذكورات .

وقرأ ابن عامر برفع ﴿ الشمس ﴾ وما عطف عليه ورفعع ﴿ مسخرات ﴾ ، فتكون الجملة حالا من ضمير اسم الجلاله كقوله : ﴿ يغشى الليل النهار ﴾ .

وتقدم الكلام على الليل والنهار عند قوله تعالى : { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار في سورة البقرة ( 164 ) ويأتي في سورة الشمس .

والتسخير حقيقته تذليل ذي عمل شاقق أو شاغلل بقهر وتخويف أو بتعليم وسياسة بدون عوض ، فمنه تسخير العبيد والأسرى ، ومنه تسخير الأفراس والرواحل ، ومنه تسخير البقر للحلب ، والغنم للجز . ويستعمل مجازا في تصريف الشيء غير ذي الإرادة في عمل عجيب أو عظيم من شأنه أن يصعب استعماله فيه ، بحيلة أو إلهام تصريفا يصيره من خصائصه وشؤونه ، كتسخير الفلك للمخر في البحر بالريح أو بالجذف ، وتسخير السحاب للأمطار ، وتسخير النهار للعمل ، والليل للسكون ، وتسخير الليل للسير في الصيف ، والشمس للدفء في الشتاء ، والظل للتبرد في الصيف ، وتسخير الشجر للأكل من ثماره حيث خلق مجردا عن موانع تمنع

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٦٨