بإبطالها ، أو إخفائها ، مثل كتمان عيوب المبيع ، وادعاء العيوب في الأشياء السليمة ، والكذب في الأثمان ، كأن يقول التاجر : أعطيت في هذه السلعة كذا ، لثمن لم يعطه ، أو أن هذه السلعة قامت علي بكذا . ومنه التزام الصدق في التعديل والتجريح وإبداء النصيحة في المشاورة ، وقول الحق في الصلح . وأما الشهادة والقضاء فأمر العدل فيهما ظاهر ، وإذا وعد القائل لا يخلف ، وإذا أوصى لا يظلم أصحاب حقوق الميراث ، ولا يحلف على الباطل ، وإذا مدح أحدا مدحه بما فيه ، وأما الشتم فالإمساك عنه واجب ولو كان حقا فذلك الإمساك هو العدل لأن الله أمر به .
وفي التعليق بأداة الشرط في قوله : ﴿ وإذا قلتم ﴾ إشارة إلى أن المرء في سعة من السكوت إن خشي قول العدل . وأما أن يقول الجور والظلم والباطل فليس له سبيل إلى ذلك ، والكذب كله من القول بغير العدل ، على أن من السكوت ما هو واجب . وفي ( الموطأ ) أن رجلا خطب إلى رجل أخته فذكر الأخ أنها قد كانت أحدثت فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فضربه أو كاد يضربه ثم قال : ( مالك وللخبر ) .
والواو في قوله : ﴿ ولو كان ﴾ واو الحال ، ولو وصلية تفيد المبالغة في الحال التي من شأنها أن يظن السامع عدم شمولل الحكم إياها لاختصاصها من بين بقية الأحوال التي يشملها الحكم ، وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى : { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به في سورة آل عمران ( 91 ) ، فإن حالة قرابة المقولل لأجله القول قد تحمل القائل على أن يقول غير العدل ، لنفع قريبه أو مصانعته ، فنبهوا على وجوب التزام العدل في القول في تلك الحالة ، فالضمير المستتر في ( كان ) كائد إلى شيء معلوم من الكلام : أي ولو كان الذي تعلق به القول ذا قربى .
والغشي مستعار للإخفاء ، لأن النهار يزيل أثر الليل والليل يزيل أثر النهار ، ومن بديع الإيجاز ورشاقة التركيب : جعل الليل والنهار مفعولين لفعل فاعل الإغشاء ، فهما مفعولان كلاهما صالح لأن يكون فاعل الغشي ، ولهذا استغنى بقوله : ﴿ يغشى الليل النهار ﴾ عن ذكر عكسه ولم يقل : والنهار الليل ، كما في آية { يكور الليل على النهار ( الزمر : 5 ) لكن الأصل في ترتيب المفاعيل في هذا الباب أن يكون الأول هو الفاعل في المعنى ، ويجوز العكس إذا أمن اللبس ، وبالأحرى إذا استوى الاحتمالان .
وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وعاصم في رواية حفص يغشي } بضم الياء وسكون الغين وتخفيف الشين . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وعاصم في رواية أبي بكر ، ويعقوب ، وخلف بضم الياء وفتح الغين وتشديد الشين وهما بمعنى واحد في التعدية .
وجملة : ﴿ يطلبه ﴾ إن جعلت استينافا أو بدل اشتمال من جملة ( يغشي ) فأمرها واضح ، واحتمل الضمير المنصوب في ( يطلبه ) أن يعود إلى الليل وإلى النهار ، وإن جعلت حالا تعين أن تعتبر حالا من أحد المفعولين على السواء فإن كلا الليل والنهار يعتبر طالبا ومطلوبا ، تبعا لاعتبار أحدهما مفعولا أول أو ثانيا .
وشبه ظهور ظلام الليل في الأفق ممتدا من المشرق إلى المغرب عند الغروب واختفاء نور النهار في الأفق ساقطا من المشرق إلى المغرب حتى يعم الظلام الأفق بطلب الليل النهار ، على طريقة التمثيل ، وكذلك يفهم تشبيه امتداد ضوء الفجر في الأفق من المشرق إلى المغرب واختفاء ظلام الليل في الأفق ساقطا في المغرب حتى يعم الضياء الأفق : بطلب النهار الليل على وجه التمثيل ، ولا مانع من اعتبار التنازع للمفعولين في جملة الحال كما في قوله تعالى : ﴿ فأتت به قومها تحمله ﴾ ( مريم : 27 ) وقوله : ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ﴾ .