اقتضته الإضافة ، إذ الإضافة هنا يصح أن تكون إضافة المصدر إلى الفاعل ، أي ما عهد الله به إليكم من الشرائع ، ويصح أن تكون إضافة المصدر إلى مفعوله ، أي ما عاهدتم الله أن تفعلوه ، والتزمتموه وتقلدتموه ، ويصح أن تكون الإضافة لأدنى ملابسة ، أي العهد الذي أمر الله بحفظه ، وحذر من ختره ، وهو العهود التي تنعقد بين الناس بعضهم مع بعض سواء كان بين القبائل أم كان بين الآحاد . ولأجل مراعاة هذه المعاني الناشئة عن صلاحية الإضافة لإفادتها عدل إلى طريق إسناد اسم العهد إلى اسم الجلالة بطريق الإضافة دون طريق الفعل ، بأن يقال : وبما عاهدتم الله عليه ، أو نحن ذلك ما لا يحتمل إلا معنى واحدا . وإذ كان الخطاب بقوله : ﴿ تعالوا ﴾ ( الأنعام : 151 ) للمشركين تعين أن يكون العهد شيئا قد تقررت معرفته بينهم ، وهو العهود التي يعقدونها بالموالاة والصلح أو نحو ذلك فهو يدعوهم إلى الوفاء بما عاقدوا عليه . وأضيف إلى الله لأنهم كانوا يتحالفون عند التعاقد ولذلك يسمون العهد حلفا ، قال الحارث بن حلزة :
واذكروا حلف ذي المجاز وما
قدم فيه العهود والكفلاء
وقال عمرو بن كلثوم :
ونوجد نحن أمنعهم ذمارا
وأوفاهم إذا عقدوا يمينا
فالآية آمرة لهم بالوفاء ، وكان العرب يتمادحون به . ومن العهود المقررة بينهم : حلف الفضول ، وحلف المطيبين ، وكلاهما كان في الجاهلية على نفي الظلم والجور عن القاطنين بمكة ، وذلك تحقيق لعهد الله لإبراهيم عليه السلام أن يجعل مكة بلدا آمنا ومن دخله كان آمنا ، وقد اعتدى المشركون على ضعفاء المؤمنين وظلموهم مثلل عمار ، وبلال ، وعامر بن فهيرة ، ونحوهم ، فهو يقول لهم فيما يتلو عليهم أن خفر عهد الله بأمان مكة ، وخفر عهودكم بذلك ، أولى بأن تحرموه
من اجتنائه مثل الشوك الشديد ، فالأسد غير مسخر بهذا المعنى ولكنه بحيث يسخر إذا شاء الإنسان الانتفاع بلحمه أو جلده بحيلة لصيده بزبية أو نحوها ، ولذلك قال الله تعالى : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه } ( الجاثية : 13 ) باعتبار هذا المجاز على تفاوت في قوة العلاقة . فقوله : ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ﴾ أطلق التسخير فيه مجازا على جعلها خاضعة للنظام الذي خلقها الله عليه بدون تغيير ، مع أن شأن عظمها أن لا يستطيع غيره تعالى وضعها على نظام محدود منضبط .
ولفظ الأمر في قوله : ﴿ بأمره ﴾ مستعمل مجازا في التصريف بحسب القدرة الجارية على وفق الإرادة . ومنه أمر التكوين المعبر عنه في القرآن بقوله : ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴾ ( يس : 82 ) لأن ( كن ) تقريب لنفاذ القدرة المسمى بالتعلق التسخيري عند تعلق الإرادة التنجيزي أيضا فالأمر هنا من ذلك ، وهو تصريف نظام الموجودات كلها .
وجملة : ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ مستأنفة استئناف التذييل للكلام السابق من قوله : ﴿ الذي خلق السموات والأرض ﴾ لإفادة تعميم الخلق . والتقدير : لما ذكر آنفا ولغيره . فالخلق : إيجاد الموجودات ، والأمر تسخيرها للعمل الذي خلقت لأجله .
وافتتحت الجملة بحرف التنبيه لتعي نفوس السامعين هذا الكلام الجامع .
واللام الجارة لضمير الجلالة لام الملك . وتقديم المسند هنا لتخصيصه بالمسند إليه .
والتعريف في الخلق والأمر تعريف الجنس ، فتفيد الجملة قصر جنس الخلق وجنس الأمر على الكون في ملك الله تعالى ، فليس لغيره شيء من هدا الجنس ، وهو قصر إضافي معناه : ليس لآلهتهم شيء من الخلق ولا من الأمر ، وأما قصر الجنس في الواقع على الكون في ملك الله تعالى فذلك يرجع فيه إلى القرائن ، فالخلق مقصور حقيقة على الكون في ملكه تعالى ، وأما الأمر