تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتحليل ما هو إلا بأن خلق الله فيهم التمكن من ذلك ، فيحسبون أنه حين لم يمسك عنان أفعالهم كان قد رضي بما فعلوه ، وأنه لو كان لا يرضى به لما عجز عن سلب تمكنهم ، يحسبون أن الله يهمه سوء تصرفهم فيما فطرهم عليه ، ولو كان كما يتوهمون لكان الباطل والحق شيئا واحدا ، وهذا ما لا يفهمه عقل حصيف ، فإن أهل العقول السخيفة حين يتوهمون ذلك كانوا غير ملتفتين إلا إلى جانب نحلتهم ومعرضين عن جانب مخالفهم ، فإنهم حين يقولون : ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ﴾ غافلون عن أن يقال لهم . من جانب الرسول : لو شاء الله ما قلت لكم أن فعلكم ضلال ، فيكون الله على حسب شبهتهم قد شاء الشيء ونقيضه إذ شاء أنهم يشركون وشاء أن يقول لهم الرسول لا تشركوا .

وسبب هذه الضلالة العارضة لأهل الضلال من الأمم ، التي تلوح في عقول بعض عوام المسلمين في معاذيرهم للمعاصي والجرائم أن يقولوا : أمر الله أو مكتوب عند الله أو نحو ذلك ، هو الجهل بأن حكمة الله تعالى في وضع نظام هذا العالم اقتضت أن يجعل حجابا بين تصرفه تعالى في أحوال المخلوقات ، وبين تصرفهم في أحوالهم بمقتضى إرادتهم ، وذلك الحجاب هو ناموس ارتباط المسببات بأسبابها ، وارتباط أحوال الموجودات في هذا العالم بعضها ببعض ، ومنه ما يسمى بالكسب والاستطاعة عند جمهور الأشاعرة ، ويسمى بالقدرة عند المعتزلة وبعضض الأشاعرة ، وذلك هو مورد التكليف الدال على ما يرضاه الله وما لا يرضى به ، وأن الله وضع نظام هذا العالم بحكمة فجعل قوامه هو تدبير الأشياء أمورها من ذواتها بحسب قوى أودعها في الموجودات لتسعى لما خلقت لأجله ، وزاد الإنسان مزية بأن وضع له عقلا يمكنه من تغيير أحواله على حسب احتياجه ، ووضع له في عقله وسائل الاهتداء إلى الخير والشر ، كما قيض له دعاة إلى الخير تنبهه إليه إن عرته غفلة ، أو حجبته شهوة ، فإن هو لم يرعو غيه ، فقد خان بساط عقله بطيه .

وجعلت الرحمة بمنزلة الآلة للنيل كما يقال : نال الثمرة بمحجن . فالباء للآلة . أو جعلت الرحمة ملابسة للنيل فالباء للملابسة . والنيل هنا استعارة ، وقد عمدوا إلى هذا الكلام المقدر فنفوه فقالوا : ﴿ لا ينالهم الله برحمة ﴾ .

وهذا النظم الذين حكي به قسمهم يؤذن بتهكمهم بضعفاء المؤمنين في الدنيا ، وقد أغفل المفسرون تفسير هذه الآية بحسب نظمها .

وجملة : ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ قيل مقول قول محذوف اختصارا لدلالة السياق عليه ، وحذف القول في مثله كثير ولا سيما إذا كان المقول جملة إنشائية ، والتقدير : قال لهم الله ادخلوا الجنة فكذب الله قسمكم وخيب ظنكم ، وهذا كله من كلام أصحاب الأعراف ، والأظهر أن يكون الأمر في قوله : ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ للدعاء لأن المشار إليهم بهؤلاء هم أناس من أهل الجنة ، لأن ذلك الحين قد استقر فيه أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ، كما تقتضيه الآيات السابقة من قوله : ﴿ ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم إلى قوله القومم الظالمين ﴾ ( الأعراف : 46 ، 47 ) فلذلك يتعين جعل الأمر للدعاء كما في قول المعري :

ابق في نعمة بقاء الدهور

نافذا لحكم في جميع الأمور

وإذ قد كان الدخول حاصلا فالدعاء به لإرادة الدوام كما يقول الداعي على الخارج : أخرج غير مأسوفف عليك ، ومنه قوله تعالى : ﴿ وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ﴾ .

ورفع ﴿ خوف ﴾ مع ( لا ) لأن أسماء أجناس المعاني التي ليست لها أفراد في الخارج يستوي في نفيها بلا الرفع والفتح ، كما تقدم عند قوله تعالى : ﴿ فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ ( الأعراف : 35 ) .

$ 2 ( 50 ، 51 ) { لله ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله قالو &

1764 ا إن الله حرمهما على الكافرين

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٤٧