تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استئناف رجع به الكلام إلى مجادلة المشركين بعد أن اعترض بينها بقوله : ﴿ قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلى قوله فإن ربك غفور رحيم ﴾ ( الأنعام : 145 ) ، فلما قطع الله حجتهم في شأن تحريم ما حرموه ، وقسمة ما قسموه ، استقصى ما بقي لهم من حجة وهي حجة المحجوج المغلوب الذي أعيته المجادلة ولم تبق له حجة ، إذ يتشبث بالمعاذير الواهية لترويج ضلاله ، بأن يقول : هذا أمر قضي وقدر .

فإن كان ضمير الرفع في قوله : ﴿ فإن كذبوك ﴾ ( الأنعام : 147 ) عائدا إلى المشركين كان قوله تعالى هنا : ﴿ سيقول الذين أشركوا ﴾ إظهارا في مقام الإضمار لزيادة تفظيع أقوالهم ، فإخبار الله عنهم بأنهم سيقولون ذلك إن كان نزول هذه الآية قبل نزول آية سورة النحل ( 35 ) : ﴿ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء وهو الأرجح ، فإن سورة النحل معدودة في النزول بعد سورة الأنعام ، كان الإخبار بأنهم سيقولونه اطلاعا على ما تكنه نفوسهم من تزوير هذه الحجة ، فهو معجزة من معجزات القرآن من نوع الإخبار بالغيب كقوله تعالى : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ ( البقرة : 24 ) . وإن كان نزول هذه الآية بعد نزول آية سورة النحل فالإخبار بأنهم سيقولونه معناه أنهم سيعيدون معذرتهم المألوفة .

وحاصل هذه الحجة : أنهم يحتجون على النبيء صلى الله عليه وسلم بأن ما هم عليه لو لم يكن برضى الله تعالى لصرفهم عنه ولما يسره لهم ، يقولون ذلك في معرض إفحام الرسول عليه الصلاة والسلام وإبطال حكمه عليهم بالضلالة ، وهذه شبهة أهل العقول الأفنة الذين لا يفرقون بين تصرف الله تعالى بالخلق والتقدير وحفظ قوانين الوجود ، وهو التصرف الذي نسميه نحن بالمشيئة وبالإرادة ، وبين تصرفه بالأمر والنهي ، وهو الذي نسميه بالرضى وبالمحبة ، فالأول تصرف التكوين والثاني تصرف التكليف ، فهم يحسبون أن تمكنهم من وضع قواعد الشرك ومن التحريم

و ( ما ) الأولى نافية ، ومعنى ﴿ ما أغنى ﴾ ما أجزى مصدره الغناء بفتح الغين وبالمد .

والخبر مستعمل في الشماتة والتوقيف على الخطأ .

و ( ما ) الثانية مصدرية ، أي واستكباركم الذي مضى في الدنيا ، ووجه صوغه بصيغة الفعل دون المصدر إذ لم يقل استكباركم ليتوسل بالفعل إلى كونه مضارعا فيفيد أن الاستكبار كان دأبهم لا يفترون عنه .

وجملة ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ﴾ من كلام أصحاب الأعراف . والاستفهام في قوله ﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم ﴾ مستعمل في التقرير .

والإشارة ب ﴿ أهؤلاء ﴾ إلى قوم من أهل الجنة كانوا مستضعفين في الدنيا ومحقرين عند المشركين بقرينة قوله : ﴿ الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ﴾ وقوله ﴿ ادخلوا الجنة ﴾ قال المفسرون هؤلاء مثل سلمان ، وبلال ، وخباب ، وصهيب من ضعفاء المؤمنين ، فإما أن يكونوا حينئذ قد استقروا في الجنة فجلاهم الله لأهل الأعراف وللرجال الذين خاطبوهم ، وإما أن يكون ذلك الحوار قد وقع قبل إدخالهم الجنة . وقسمهم عليهم لإظهار تصلبهم في اعتقادهم وأنهم لا يخامرهم شك في ذلك كقوله تعالى : ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ﴾ ( النحل : 38 ) .

وقوله : ﴿ لا ينالهم الله برحمة ﴾ هو المقسم عليه ، وقد سلطوا النفي في كلامهم على مراعاة نفي كلام يقوله الرسول عليه الصلاة والسلام أو المؤمنون ، وذلك أن بشارات القرآن أولئك الضعفاء ، ووعده إياهم بالجنة ، وثناءه عليهم نزل منزلة كلام يقول : إن الله ينالهم برحمة ، أي بأن جعل إيواء الله إياهم بدار رحمته ، أي الجنة ، بمنزلة النيل وهو حصول الأمر المحبوب المبحوث عنه كما تقدم في قوله : ﴿ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ﴾ ( الأعراف : 37 ) آنفا ، فأطلق على ذلك الإيواء فعل ( ينال ) على سبيل الاستعارة .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٤٦