تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبهذا ظهر تخليط أهل الضلالة بين مشيئة العباد ومشيئة الله ، فلذلك رد الله عليهم هنا قولهم : ﴿ لو شاء الله مآ أشركنا ولا أباؤنا ﴾ لأنهم جعلوا ما هو مشيئة لهم مشيئة لله تعالى ، ومع ذلك فهو قد أثبت مشيئته في قوله : ﴿ ولو شاء الله ما أشركوا ﴾ ( الأنعام : 107 ) فهي مشيئة تكوين العقول وتكوين نظام الجماعة .

فهذه المشيئة التي اعتلوا بها مشيئة خفية لا تتوصل إلى الاطلاع على كنهها عقول البشر ، فلذلك نعى الله عليهم استنادهم إليها على جهلهم بكنهها ، فقال : كذلك كذب الذين من قبلهم فشبه بتكذيبهم تكذيب المكذبين الذين من قبلهم ، فكنى بذلك عن كون مقصد المشركين من هذه الحجة تكذيب النبيء صلى الله عليه وسلم وقد سبق لنا بيان في هذا المعنى في هذه السورة ( 107 ) عند قوله تعالى : ﴿ ولو شاء الله ما أشركوا ﴾ .

وليس في هذه الآية ما ينهض حجة لنا على المعتزلة ، ولا للمعتزلة علينا ، وإن حاول كلا الفريقين ذلك لأن الفريقين متفقان على بطلان حجة المشركين . وفي الآية حجة على الجبرية .

وقوله تعالى : ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ أي كذب الذين من قبلهم أنبياءهم مثل ما كذبك هؤلاء . وهذا يدل على أن الذين أشركوا قصدوا بقولهم : ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ﴾ تكذيب النبيء صلى الله عليه وسلم إذ دعاهم إلى الإقلاع عما يعتقدون بحجة أن الله رضيه لهم وشاءه منهم مشيئة رضى ، فكذلك الأمم قبلهم كذبوا رسلهم مستندين إلى هذه الشبهة فسمى الله استدلالهم هذا تكذيبا ، لأنهم ساقوه مساق التكذيب والإفحام ، لا لأن مقتضاه لا يقول به الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، فإنا نقول ذلك كما قال تعالى : ﴿ ولو شاء الله ما أشركوا ﴾ ( الأنعام : 107 ) نريد به معنى صحيحا فكلامهم من باب كلام الحق الذي أريد به باطل ، ووقع في ( الكشاف ) أنه قرىء : ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ بتخفيف ذال كذب

* الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحيواة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هاذا وما كانوا بئاياتنا يجحدون } . ) 2 $

{ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله قالو &

1764 ا إن الله حرمهما على الكافرين } ﴿ الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحيواة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هاذا وما كانوا بئاياتنا يجحدون ﴾ .

القول في ﴿ نادى ﴾ وفي ﴿ أن ﴾ التفسيرية كالقول في : ﴿ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ﴾ ( الأعراف : 44 ) الآية . وأصحاب النار مراد بهم من كان من مشركي أمة الدعوة لأنهم المقصود كما تقدم ، وليوافق قوله بعد ﴿ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه ﴾ ( الأعراف : 52 ) .

فعل الفيض حقيقته سيلان الماء وانصبابه بقوة ويستعمل مجازا في الكثرة ، ومنه ما في الحديث : ( ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ) . ويجيء منه مجاز في السخاء ووفرة العطاء ، ومنه ما في الحديث أنه قال لطلحة : ( أنت الفياض ) . فالفيض في الآية إذا حمل على حقيقته كان أصحاب النار طالبين من أصحاب الجنة أن يصبوا عليهم ماء ليشربوا منه ، وعلى هذا المعنى حمله المفسرون ، ولأجل ذلك جعل الزمخشري عطف ﴿ ما رزقكم الله ﴾ عطفا على الجملة لا على المفرد . فيقدر عامل بعد حرف العطف يناسب ما عدا الماء تقديره : أو أعطونا ، ونظره بقول الشاعر ( أنشده الفراء ) :

علفتها تبنا وماء باردا

حتى شبت همالة عيناها

تقديره : علفتها وسقيتها ماء باردا ، وعلى هذا الوجه تكون ( من ) بمعنى بعض ، أو صفة لموصوف محذوف تقديره : شيئا من الماء ، لأن : ﴿ أفيضوا ﴾ يتعدى بنفسه .

ويجوز عندي أن يحمل الفيض على المعنى المجازي ، وهو سعة العطاء والسخاء ، من الماء والرزق ، إذ ليس معنى الصب بمناسب بل المقصود الإرسال والتفضل ، ويكون العطف عطف مفرد على مفرد وهو أصل العطف . ويكون سؤلهم من الطعام مماثلا لسؤلهم من الماء في الكثرة ، فيكون في هذا الحمل

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٤٨