تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذبوك في نفي تحريم الله ما زعموا أنه حرمه فذكرهم ببأس الله لعلهم ينتهون عما زعموه ، وذكرهم برحمته الواسعة لعلهم يبادرون بطلب ما يخولهم رحمته من اتباع هدي الإسلام ، فيعود ضمير : ﴿ كذبوك ﴾ إلى المشركين وهو المتبادر من سياق الكلام : سابقه ولاحقه ، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون في قوله : ﴿ فقل ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ تنبيه لهم بأن تأخير العذاب عنهم هو إمهال داخل في رحمة الله رحمة مؤقته ، لعلهم يسلمون . وعليه يكون معنى فعل : ﴿ كذبوك ﴾ الاستمرار ، أي إن استمروا على التكذيب بعد هذه الحجج .

ويجوز أن يعود الضمير إلى ﴿ الذين هادوا ﴾ ( الأنعام : 146 ) ، تكملة للاستطراد وهو قول مجاهد والسدي : أن اليهود قالوا لم يحرم الله علينا شيئا وإنما حرمنا ما حرم إسرائيل على نفسه ، فيكون معنى الآية : فرض تكذيبهم قوله : ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ ( الأنعام : 146 ) إلخ ، لأن أقوالهم تخالف ذلك فهم بحيث يكذبون ما في هذه الآية ، ويشتبه عليهم الإمهال بالرضى ، فقيل لهم : ﴿ ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ . ومن رحمته إمهاله المجرمين في الدنيا غالبا .

وقوله : ﴿ ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ﴾ فيه إيجاز بحذف تقديره : وذو بأس ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين إذا أراده . وهذا وعيد وتوقع وهو تذييل ، لأن قوله : ﴿ عن القوم المجرمين ﴾ يعمهم وغيرهم وهو يتضمن أنهم مجرمون .

| 2 ( 148 ) ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا ولا ءابآؤنا ولا حرمنا من شىء كذالك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ﴾ . ) 2

والنداء يؤذن ببعد المخاطب فيظهر أن أهل الأعراف لما تطلعوا بأبصارهم إلى النار عرفوا رجالا ، أو قبل ذلك لما مر عليهم بأهل النار عرفوا رجالا كانوا جبارين في الدنيا . والسيما هنا يتعين أن يكون المراد بها المشخصات الذاتية التي تتميز بها الأشخاص ، وليست السيما التي يتميز بها أهل النار كلهم كما هو في الآية السابقة .

فالمقصود بهذه الآية ذكر شيء من أمر الآخرة ، فيه نذارة وموعظة لجبابرة المشركين من العرب الذين كانوا يحقرون المستضعفين من المؤمنين ، وفيهم عبيد وفقراء فإذا سمعوا بشارات القرآن للمؤمنين بالجنة سكتوا عمن كان من أحرار المسلمين وسادتهم . وأنكروا أن يكون أولئك الضعاف والعبيد من أهل الجنة ، وذلك على سبيل الفرض ، أي لو فرضوا صدق وجود جنة ، فليس هؤلاء بأهل لسكنى الجنة لأنهم ما كانوا يؤمنون بالجنة ، وقصدهم من هذا تكذيب النبيء صلى الله عليه وسلم وإظهار ما يحسبونه خطلا من أقواله ، وذلك مثل قولهم : ﴿ هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد ﴾ ( سبأ : 7 ) فجعلوا تمزق الأجساد وفناءها دليلا على إبطال الحشر ، وسكتوا عن حشر الأجساد التي لم تمزق . وكل ذلك من سوء الفهم وضعف الإدراك والتخليط بين العاديات والعقليات . قال ابن الكلبي : ( ينادي أهل الأعراف وهم على السور يا وليد بن المغيرة يا أبا جهل بن هشام يا فلان ويا فلان ) فهؤلاء من الرجال الذين يعرفونهم بسيماهم وكانوا من أهل العزة والكبرياء .

ومعنى ﴿ جمعكم ﴾ يحتمل أن يكون جمع الناس ، أي ما أغنت عنكم كثرتكم التي تعتزون بها ، ويحتمل أن يراد من الجمع المصدر بمعنى اسم المفعول . أي ما جمعتموه من المال والثروة كقوله تعالى : ﴿ ما أغنى عني ماليه ﴾ ( الحاقة : 28 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٨ · الصفحة ١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٨ · ص ١٤٥