تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما قتله ، أي يكافىء ويعوض ما قتله . وإسناد الجزاء إلى المثل إسناد على طريقة المجاز العقلي . ولك أن تجعل الإضافة بيانية ، أي فجزاء هو مثل ما قتل ، والإضافة تكون لأدنى ملابسة . ونظيره قوله تعالى : ﴿ فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ﴾ ( سبأ : 37 ) . وهذا نظم بديع على حد قوله تعالى : ﴿ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ ( النساء : 92 ) ، أي فليحرر رقبة . وجعله صاحب ( الكشاف ) من إضافة المصدر إلى المفعول ، أي فليجز مثل ما قتل . وهو يقتضي أن يكون النعم هو المعوض لا العوض لأن العوض يتعدى إليه فعل ( جزى ) بالباء ويتعدى إلى المعوض بنفسه . تقول : جزيت ما أتلفته بكذا درهما ، ولا تقول : جزيت كذا درهما بما أتلفته ، فلذلك اضطر الذين قدروا هذا القول إلى جعل لفظ ( مثل ) مقحما . ونظروه بقولهم : ( مثلك لا يبخل ) ، كما قال ابن عطية وهو معاصر للزمخشري . وسكت صاحب ( الكشاف ) عن الخوض في ذلك وقرر القطب كلام ( الكشاف ) على لزوم جعل لفظ ﴿ مثل ﴾ مقحما وأن الكلام على وجه الكناية ، يعني نظير ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ ( الشورى : 11 ) وكذلك ألزمه إياه التفتزاني ، واعتذر عن عدم التصريح به في كلامه بأن الزمخشري بصدد بيان الجزاء لا بصدد بيان أن عليه جزاء ما قتل . وهو اعتذار ضعيف . فالوجه أن لا حاجة إلى هذا التقدير من أصله . وقد اجترأ الطبري فقال : أن لا وجه لقراءة الإضافة وذلك وهم منه وغفلة من وجوه تصاريف الكلام العربي .

وقرأ عاصم ، وحمزة ، ويعقوب ، والكسائي ، وخلف ﴿ فجزاء مثل ﴾ بتنوين ( جزاء ) . ورفع ( مثل ) على تقدير : فالجزاء هو مثل ، على أن الجزاء مصدر أطلق على اسم المفعول ، أي فالمجزي به المقتول مثل ما قتله الصائد .

وقوله تعالى : ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ جملة في موضع الصفة ل ﴿ جواء ﴾ أو استئناف بياني ، أي يحكم بالجزاء ، أي بتعيينه . والمقصد من ذلك أنه لا يبلغ كل أحد معرفة صفة المماثلة بين الصيد والنعم فوكل الله أمر ذلك إلى الحكمين . وعلى الصائد أن يبحث عمن تحققت فيه صفة العدالة والمعرفة فيرفع الأمر إليهما . ويتعين عليهما أن يجيباه إلى ما سأل منهما وهما يعينان المثل ويخيرانه بين أن يعطي المثل أو الطعام أو الصيام ، ويقدران له ما هو قدر الطعام إن اختاره .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٧ · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٧ · ص ٤٧