الصيد ما هو صغير كان مخيرا بين أن يعطي أقل ما يجزي من الهدي من الأنعام وبين أن يعطي قيمة ما صاده طعاما ولا يعطي من صغار الأنعام .
وقال مالك في ( الموطأ ) : وكل شيء فدي ففي صغاره مثل ما يكون في كباره . وإنما مثل ذلك مثل دية الحر الصغير والكبير بمنزلة واحدة . وقال الشافعي وبعض علماء المدينة : إذا كان الصيد صغيرا كان جزاؤه ما يقاربه من صغار الأنعام لما رواه مالك في ( الموطأ ) عن أبي الزبير المكي أن عمر بن الخطاب قضى في الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة . قال الحفيد ابن رشد في كتاب ( بداية المجتهد ) : وذلك ما روي عن عمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود اه .
وأقول : لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء ، فأما ما حكم به عمر فلعل مالكا رآه اجتهادا من عمر لم يوافقه عليه لظهور الاستدلال بقوله تعالى : ﴿ هديا بالغ الكعبة ﴾ . فإن ذلك من دلالة الإشارة ، ورأى في الرجوع إلى الإطعام سعة ، على أنه لو كان الصيد لا مماثل له من صغار الأنعام كالجرادة والخنفساء لوجب الرجوع إلى الإطعام ، فليرجع إليه عند كون الصيد أصغر مما يماثله مما يجزىء في الهدايا . فمن العجب قول ابن العربي : إن قول الشافعي هو الصحيح ، وهو اختيار علمائنا . ولم أدر من يعنيه من علمائنا فإني لا أعرف للمالكية مخالفا لمالك في هذا . والقول في الطير كالقول في الصغير وفي الدواب ، وكذلك القول في العظيم من الحيوان كالفيل والزرافة فيرجع إلى الإطعام . ولما سمى الله هذا جزاء وجعله مماثلا للمصيد دلنا على أن من تكرر منه قتل الصيد وهو محرم وجب عليه جزاء لكل دابة قتلها ، خلافا لداوود الظاهري ، فإن الشيئين من نوع واحد لا يماثلهما شيء واحد من ذلك النوع ، ولأنه قد تقتل أشياء مختلفة النوع فكيف يكون شيء من نوع مماثلا لجميع ما قتله .
وقرأ جمهور القراء ﴿ فجزاء مثل ما قتل ﴾ بإضافة ﴿ جزاء ﴾ إلى ﴿ مثل ﴾ ؛ فيكون ﴿ جزاء ﴾ مصدرا بدلا عن الفعل ، ويكون ﴿ مثل ما قتل ﴾ فاعل المصدر أضيف إليه مصدره . و ﴿ من النعم ﴾ بيان المثل لا ل ﴿ ما قتل ﴾ . والتقدير : فمثل ما قتل من النعم يجزىء جزاء