وقد حكم من الصحابة في جزاء الصيد عمر مع عبد الرحمن بن عوف ، وحكم مع كعب بن مالك ، وحكم سعد بن أبي وقاص مع عبد الرحمن بن عوف ، وحكم عبد الله بن عمر مع ابن صفوان . ووصف ﴿ ذوا عدل ﴾ بقوله : ﴿ منكم ﴾ أي من المسلمين ، للتحذير من متابعة ما كان لأهل الجاهلية من عمل في صيد الحرم فلعلهم يدعون معرفة خاصة بالجزاء .
وقوله : ﴿ هديا بالغ الكعبة ﴾ حال من ﴿ مثل ما قتل ﴾ ، أو من الضمير في ( به ) . والهدي ما يذبح أو ينحر في منحر مكة . والمنحر : منى والمروة . ولما سماه الله تعالى ﴿ هديا ﴾ فله سائر أحكام الهدي المعروفة . ومعنى ﴿ بالغ الكعبة ﴾ أنه يذبح أو ينحر في حرم الكعبة ، وليس المراد أنه ينحر أو يذبح حول الكعبة .
وقوله : ﴿ أو كفارة طعام مساكين ﴾ عطف على ﴿ فجزاء ﴾ وسمى الإطعام كفارة لأنه ليس بجزاء ، إذ الجزاء هو العوض ، وهو مأخوذ فيه المماثلة . وأما الإطعام فلا يماثل الصيد وإنما هو كفارة تكفر به الجريمة . وقد أجمل الكفارة فلم يبين مقدار الطعام ولا عدد المساكين . فأما مقدار الطعام فهو موكول إلى الحكمين ، وقد شاع عن العرب أن المد من الطعام هو طعام رجل واحد ، فلذلك قدره مالك بمد لكل مسكين . وهو قول الأكثر من العلماء . وعن ابن عباس : تقدير الإطعام أن يقوم الجزاء من النعم بقيمته دراهم ثم تقوم الدراهم طعاما . وأما عدد المساكين فهو ملازم لعدد الأمداد . قال مالك : أحسن ما سمحت إلي فيه أنه يقوم الصيد الذي أصاب وينظر كم ثمن ذلك من الطعام ، فيطعم مدا لكل مسكين . ومن العلماء من قدر لكل حيوان معادلا من الطعام . فعن ابن عباس : تعديل الظبي بإطعام ستة مساكين ، والأيل بإطعام عشرين مسكينا ، وحمار الوحش بثلاثين ، والأحسن أن ذلك موكول إلى الحكمين .
و ﴿ أو ﴾ في قوله ﴿ أو كفارة طعام مساكين ﴾ وقوله : ﴿ أو عدل ذلك ﴾ تقتضي تخيير قاتل الصيد في أحد الثلاثة المذكورة . وكذلك كل أمر وقع ب ( أو ) في القرآن فهو من الواجب المخير . والقول بالتخيير هو قول الجمهور ، ثم قيل : الخيار للمحكوم عليه لا للحكمين . وهو قول الجمهور من القائلين بالتخيير ، وقيل : الخيار للحكمين . وقال به الثوري ،