ثم نزلت آية سورة النساء ( 43 ) { يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ، فتجنب المسلمون شربها في الأوقات التي يظن بقاء السكر منها إلى وقت الصلاة ؛ فقال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . ثم نزلت الآية هذه . فقال عمر : انتهينا .
والمشهور أن الخمر حرمت سنة ثلاث من الهجرة بعد وقعة أحد ، فتكون هذه الآية نزلت قبل سورة العقود ووضعت بعد ذلك في موضعها هنا . وروي أن هذه الآية نزلت بسبب ملاحاة جرت بين سعد بن أبي وقاص ورجلل من الأنصار . روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : أتيت على نفر من الأنصار ، فقالوا : تعال نطعمك ونسقك خمرا وذلك قبل أن تحرم الخمر فأتيتهم في حش ، وإذا رأس جزور مشوي وزق من خمر ، فأكلت وشربت معهم ، فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم ، فقلت : المهاجرون خير من الأنصار ، فأخذ رجل من الأنصار لحي جمل فضربني به فجرح بأنفي فأتيت رسول الله فأخبرته ، فأنزل الله تعالى في إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه } . وروى أبو داود عن ابن عباس قال : ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ ( النساء : 43 ) و ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ﴾ ( البقرة : 219 ) نسختهما في المائدة ﴿ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ﴾ .
فلا جرم كان هذا التحريم بمحل العناية من الشارع متقدما للأمة في إيضاح أسبابه رفقا بهم واستئناسا لأنفسهم ، فابتدأهم بآية سورة البقرة ، ولم يسفههم فيما كانوا يتعاطون من ذلك ، بل أنبأهم بعذرهم في قوله : ﴿ قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ﴾ ( البقرة : 219 ) ، ثم بآية سورة النساء ، ثم كر عليها بالتحريم بآية سورة المائدة فحصر أمرهما في أنهما رجس من عمل الشيطان ورجا لهم الفلاح في اجتنابهما بقوله : ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ ، وأثار ما في الطباع من بغض الشيطان بقوله : ﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ﴾ . ثم قال ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ ، فجاء بالاستفهام لتمثيل حال المخاطبين بحال من بين له المتكلم حقيقة شيء ثم اختبر مقدار تأثير ذلك البيان في نفسه .
وصيغة : هل أنت فاعل كذا . تستعمل للحث على فعل في مقام الاستبطاء ،