آية على عظيم قدرته لا يعجزه أن يأتي بآية حسب مقترحكم ولكنكم لا تعلمون الحكمة في عدم إجابتكم لما سألتم . ويكون تعقيبه بقوله تعالى : ﴿ والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم ﴾ ( الأنعام : 39 ) الآية واضح المناسبة ، أي لا يهتدون إلى ما في عوالم الدواب والطير من الدلائل على وحدانية الله .
وأما قوله : ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ فإن نظرنا إليه مستقلا بنصه غير ملتفتين إلى ما نيط به من آثار مروية في تفسيره ؛ فأول ما يبدو للناظر أن ضميري ﴿ ربهم ﴾ و ﴿ يحشرون ﴾ عائدان إلى ﴿ دابة ﴾ و ﴿ طائر ﴾ باعتبار دلالتهما على جماعات الدواب والطير لوقوعهما في حيز حرف ( من ) المفيدة للعموم في سياق النفي ، فيتساءل الناظر عن ذلك وهما ضميران موضوعان للعقلاء . وقد تأولوا لوقوع الضميرين على غير العقلاء بوجهين : أحدهما أنه بناء على التغليب إذ جاء بعده ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ . الوجه الثاني أنهما عائدان إلى ﴿ أمم أمثالكم ﴾ ، أي أن الأمم كلها محشورة إلى الله تعالى .
وأحسن من ذلك تأويلا أن يكون الضميران عائدين إلى ما عادت إليه ضمائر الغيبة في هذه الآيات التي آخرها ضمير ﴿ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ﴾ ، فيكون موقع جملة ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ موقع الإدماج والاستطراد مجابهة للمشركين بأنهم محشورون إلى الله لا محالة وإن أنكروا ذلك .
فإذا وقع الإلتفات إلى ما روي من الآثار المتعلقة بالآية كان الأمر مشكلا . فقد روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء ( التي لا قرن لها ، وفي رواية غيره : الجماء ) من الشاة القرناء ) . وروى أحمد بن حنبل وأبو داوود الطيالسي في ( مسنديهما ) عن أبي ذر قال : انتطحت شاتان أو عنزان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا ذر أتدري فيم انتطحتا ، قلت : لا ، قال : لكن الله يدري وسيقضي بينهما يوم القيامة . فهذا مقتض إثبات حشر الدواب ليوم الحساب ، فكان معناه خفي الحكمة إذ من المحقق انتفاء تكليف الدواب والطير تبعا لانتفاء العقل عنها . وكان موقعها جلي المناسبة بما قاله