الفخر نقلا عن عبد الجبار بأنه لما قدم الله أن الكفار يرجعون إليه ويحشرون بين بعده أن الدواب والطير أمم أمثالهم في أنهم يحشرون . والمقصود بيان أن الحشر والبعث كما هو حاصل في الناس حاصل في البهائم . وهذا ظاهر قوله : ﴿ يحشرون ﴾ لأن غالب إطلاق الحشر في القرآن على الحشر للحساب ، فيناسب أن تكون جملة : ﴿ وما من دابة في الأرض ﴾ الآية عطفا على جملة : ﴿ والموتى يبعثهم الله ﴾ ، فإن المشركين ينكرون البعث ويجعلون إخبار الرسول عليه الصلاة والسلام به من أسباب تهمته فيما جاء به ، فلما توعدهم الله بالآية السابقة بأنهم إليه يرجعون زاد أن سجل عليهم جهلهم فأخبرهم بما هو أعجب مما أنكروه ، وهو إعلامهم بأن الحشر ليس يختص بالبشر بل يعم كل ما فيه حياة من الدواب والطير . فالمقصود من هذا الخبر هو قوله : ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ . وأما ما قبله فهو بمنزلة المقدمة له والاستدلال عليه ، أي فالدواب والطير تبعث مثل البشر وتحضر أفرادها كلها يوم الحشر ، وذلك يقتضي لا محالة أن يقتص لها ، فقد تكون حكمة حشرها تابعة لإلقاء الأرض وما فيها وإعادة أجزاء الحيوان .
وإذا كان المراد من هذين الحديثين ظاهرهما فإن هذا مظهر من مظاهر الحق يوم القيامة لإصلاح ما فرط في عالم الفناء من رواج الباطل وحكم القوة على العدالة ، ويكون القصاص بتمكين المظلوم من الدواب من رد فعل ظالمه كيلا يستقر بالباطل . فهو من قبيل ترتب المسببات على أسبابها شبيه بخطاب الوضع ، وليس في ذلك ثواب ولا عقاب لانتفاء التكليف ثم تصير الدواب يومئذ ترابا ، كما ورد في رواية عن أبي هريرة في قوله تعالى : ﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ﴾ ( النبأ : 40 ) . قال المازري في المعلم : واضطرب العلماء في بعث البهائم . وأقوى ما تعلق به من يقول ببعثها قوله تعالى : ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ . وقد قيل : إن هذا كله تمثيل للعدل . ونسبه المازري إلى بعض شيوخه قال : هو ضرب مثل إعلاما للخلق بأن لا يبقى حق عند أحد .
والدابة مشتقة من دب إذا مشى على الأرض ، وهي اسم لكل ما يدب على الأرض . وقوله : ﴿ في الأرض ﴾ صفة قصد منها إفادة التعميم والشمول بذكر اسم المكان الذي يحوي جميع الدواب وهو الأرض ، وكذلك وصف ﴿ طائر ﴾ بقوله ﴿ يطير بجناحيه ﴾