وجملة ﴿ قال الله إني منزلها ﴾ جواب دعاء عيسى ، فلذلك فصلت على طريقة المحاورة . وأكد الخبر ب ﴿ إن ﴾ تحقيقا للوعد . والمعنى إني منزلها عليكم الآن ، فهو استجابة وليس بوعد .
وقوله : ﴿ فمن يكفر ﴾ تفريع عن إجابة رغبتهم ، وتحذير لهم من الوقوع في الكفر بعد الإيمان إعلاما بأهمية الإيمان عند الله تعالى ، فجعل جزاء إجابته إياهم أن لا يعودوا إلى الكفر فإن عادوا عذبوا عذابا أشد من عذاب سائر الكفار لأنهم تعاضد لديهم دليل العقل والحس فلم يبق لهم عذر .
والضمير المنصوب في قوله ﴿ لا أعذبه ﴾ ضمير المصدر ، فهو في موضع المفعول المطلق وليس مفعولا به ، أي لا أعذب أحدا من العالمين ذلك العذاب ، أي مثل ذلك العذاب .
وقد وقفت قصة سؤال المائدة عند هذا المقدار وطوي خبر ماذا حدث بعد نزولها لأنه لا أثر له في المراد من القصة ، وهو العبرة بحال إيمان الحواريين وتعلقهم بما يزيدهم يقينا ، وبقربهم إلى ربهم وتحصيل مرتبة الشهادة على من يأتي بعدهم ، وعلى ضراعة المسيح الدالة على عبوديته ، وعلى كرامته عند ربه إذ أجاب دعوته ، وعلى سعة القدرة . وأما تفصيل ما حوته المائدة وما دار بينهم عند نزولها فلا عبرة فيه . وقد أكثر فيه المفسرون بأخبار واهية الأسانيد سوى ما أخرجه الترمذي في أبواب التفسير عن الحسن بن قزعة بسنده إلى عمار بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما ) الحديث . قال الترمذي : هذا الحديث رواه غير واحد عن عمار بن ياسر موقوفا ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسن بن قزعة ولا نعلم للحديث المرفوع أصلا .
واختلف المفسرون في أن المائدة هل نزلت من السماء أو لم تنزل . فعن مجاهد والحسن أنهم لما سمعوا قوله تعالى : ﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ الآية خافوا فاستعفوا من طلب نزولها فلم تنزل . وقال الجمهور : نزلت . وهو الظاهر لأن قوله تعالى : ﴿ إني منزلها عليكم ﴾ وعد لا يخلف ، وليس مشروطا بشرط ولكنه معقب بتحذير من