تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والنعمة الثالثة : أنه آتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين ، وما صدق ( ما ) يجوز أن يكون شيئا واحدا مما خص الله به بني إسرائيل ، ويجوز أن يكون مجموع أشياء إذ آتاهم الشريعة الصحيحة الواسعة الهدى المعصومة ، وأيدهم بالنصر في طريقهم ، وساق إليهم رزقهم المن والسلوى أربعين سنة ، وتولى تربية نفوسهم بواسطة رسله .

وقوله : ﴿ يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة ﴾ هو الغرض من الخطاب ، فهو كالمقصد بعد المقدمة ، ولذلك كرر اللفظ الذي ابتدأ به مقالته وهو النداء ب ﴿ يا قوم ﴾ لزيادة استحضار أذهانهم . والأمر بالدخول أمر بالسعي في أسبابه ، أي تهيأوا للدخول . والأرض المقدسة بمعنى المطهرة المباركة ، أي التي بارك الله فيها ، أو لأنها قدست بدفن إبراهيم عليه السلام في أول قرية من قراها وهي حبرون . وهي هنا أرض كنعان من برية ( صين ) إلى مدخل ( حماة وإلى حبرون ) . وهذه الأرض هي أرض فلسطين ، وهي الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط وبين نهر الأردن والبحر الميت فتنتهي إلى ( حماة ) شمالا وإلى ( غزة وحبرون ) جنوبا . وفي وصفها ب ﴿ التي كتب الله ﴾ تحريض على الإقدام لدخولها .

ومعنى ﴿ كتب الله ﴾ قضى وقدر ، وليس ثمة كتابة ولكنه تعبير مجازي شائع في اللغة ، لأن الشيء إذا أكده الملتزم به كتبه ، كما قال الحارث بن حلزة :

وهل ينقض ما في المهارق الأهواء

فأطلقت الكتابة على ما لا سبيل لإبطاله ، وذلك أن الله وعد إبراهيم أن يورثها ذريته . ووعد الله لا يخلف .

وقوله : ﴿ ولا ترتدوا على أدباركم ﴾ تحذير مما يوجب الانهزام ، لأن ارتداد الجيش على الأعقاب من أكبر أسباب الانخذال . والارتداد افتعال من الرد ، يقال : رده فارتد ، والرد : إرجاع السائر عن الإمضاء في سيره وإعادته إلى المكان الذي

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٦ · الصفحة ١٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٦ · ص ١٦٢