عطف القصة على القصص والمواعظ . وتقدم القول في نظائر ﴿ وإذ قال ﴾ في مواضع منها قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة في البقرة ( 30 ) .
ومناسبة موقع هذه الآيات هنا أن القصة مشتملة على تذكير بنعم الله تعالى عليهم وحث على الوفاء بما عاقدوا الله عليه من الطاعة تمهيدا لطلب امتثالهم .
وقدم موسى عليه السلام أمره لبني إسرائيل بحرب الكنعانيين بتذكيرهم بنعمة الله عليهم ليهيىء نفوسهم إلى قبول هذا الأمر العظيم عليهم وليوثقهم بالنصر إن قاتلوا أعداءهم ، فذكر نعمة الله عليهم ، وعد لهم ثلاث نعم عظيمة :
أولاها : } أن فيهم أنبياء ، ومعنى جعل الأنبياء فيهم فيجوز أن يكون في عمود نسبهم فيما مضى مثل يوسف والأسباط وموسى وهارون ، ويجوز أن يراد جعل في المخاطبين أنبياء ؛ فيحتمل أنه أراد نفسه ، وذلك بعد موت أخيه هارون ، لأن هذه القصة وقعت بعد موت هارون ؛ فيكون قوله ﴿ أنبياء ﴾ جمعا أريد به الجنس فاستوى الإفراد والجمع ، لأن الجنسية إذا أريدت من الجمع بطلت منه الجمعية ، وهذا الجنس انحصر في فرد يومئذ ، كقوله تعالى ﴿ يحكم بها النبيئون الذين أسلموا للذين هادوا ﴾ ( المائدة : 44 ) يريد محمدا صلى الله عليه وسلم أو أراد من ظهر في زمن موسى من الأنبياء . فقد كانت مريم أخت موسى نبيئة ، كما هو صريح التوراة ( إصحاح 15 من الخروج ) . وكذلك ألداد وميداد كانا نبيئين في زمن موسى ، كما في التوراة ( إصحاح 11 سفر العدد ) . وموقع النعمة في إقامة الأنبياء بينهم أن في ذلك ضمان الهدى لهم والجري على مراد الله تعالى منهم ، وفيه أيضا حسن ذكر لهم بين الأمم وفي تاريخ الأجيال .
والثانية : أن جعلهم ملوكا ، وهذا تشبيه بليغ ، أي كالملوك في تصرفهم في أنفسهم وسلامتهم من العبودية التي كانت عليهم للقبط ، وجعلهم سادة على الأمم التي مروا بها ، من الآموربين ، والعناقيين ، والحشبونيين ، والرفائيين ، والعمالقة ، والكنعانيين ، أو استعمل فعل ﴿ جعلكم ﴾ في معنى الاستقبال مثل ﴿ أتى أمر الله ﴾ ( النحل : 1 ) قصدا لتحقيق الخبر ، فيكون الخبر بشارة لهم بما سيكون لهم .