ووجه هذه المبالغة : أن كفرهم قد اشتمل على أحوال عديدة من الكفر ، وعلى سفالة في الخلق ، أو سفاهة في الرأي بمجموع ما حكي عنهم من تلك الصلات ، فإن كل خصلة منها إذا انفردت هي كفر ، فكيف بها إذا اجتمعت .
و { حقا مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي قبله ، أي حقهم حقا أيها السامع بالغين النهاية في الكفر ، ونظير هذا قولهم : ( جدا ) . والتوكيد في مثل هذا لمضمون الجملة التي قبله على ما أفادته الجملة ، وليس هو لرفع المجاز ، فهو تأكيد لما أفادته الجملة من الدلالة على معنى النهاية لأن القصر مستعمل في ذلك المعنى ، ولم يقصد بالتوكيد أن يصير القصر حقيقيا لظهور أن ذلك لا يستقيم ، فقول بعض النحاة ، في المصدر المؤكد لمضمون الجملة : إنه يفيد رفع احتمال المجاز ، بناء منهم على الغالب في مفاد التأكيد .
وأعتدنا } معناه هيأنا وقدرنا ، والتاء في ﴿ أعتدنا ﴾ بدل من الدال عند كثير من علماء اللغة ، وقال كثير منهم : التاء أصلية ، وأنه بناء على حدة هو غير بناء عد . وقال بعضهم : إن عتد هو الأصل وأن عد أدغمت منه التاء في الدال ، وقد ورد البناءان كثيرا في كلامهم وفي القرآن .
وجيء بجملة ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ﴾ إلى آخرها ؛ لمقابلة المسيئين بالمحسنين ، والنذارة بالبشارة على عادة القرآن . والمراد بالذين آمنوا المؤمنون كلهم وخاصة من آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام . فهم مقصودون ابتداء لما أشعر به موقع هذه الجملة بعد ذكر ضلالهم ولما اقتضاه تذييل الجملة بقوله : ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ أي غفورا لهم ما سلف من كفرهم ، رحيما بهم .
والقول في الإتيان بالموصول وباسم الإشارة في هذه الجملة كالقول في مقابله . وقوله : ﴿ بين أحد منهم ﴾ تقدم الكلام على مثله في قوله تعالى : { لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون في سورة البقرة ( 136 ) .