أنه الشرك ، والإشارة بقوله : ﴿ هؤلاء أهدى ﴾ إلى الذين كفروا ، وهو حكاية للقول بمعناه ، لأنهم إنما قالوا : ( أنتم أهدى من محمد وأصحابه ) ، أو قال بعض اليهود لبعض في شأن أهل مكة ﴿ هؤلاء أهدى ﴾ ، أي حين تناجوا وزوروا ما سيقولونه ، وكذلك قوله ﴿ من الذين آمنوا ﴾ حكاية لقولهم بالمعنى نداء على غلطهم ، لأنهم إنما قالوا : ( هؤلاء أهدى من محمد وأتباعه ) وإذ كان محمد وأتباعه مؤمنين فقد لزم من قولهم : إن المشركين أهدى من المؤمنين . وهذا محل التعجيب .
وعقب التعجيب بقوله ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ . وموقع اسم الإشارة هنا في نهاية الرشاقة ، لأن من بلغ من وصف حاله هذا المبلغ صار كالمشاهد ، فناسب بعد قوله ﴿ ألم ترى ﴾ أن يشار إلى هذا الفريق المدعى أنه مرئي ، فيقال : ( أولئك ) . وفي اسم الإشارة تنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما سيذكر من الحكم لأجل ما تقدم من أحوالهم .
والصلة التي في قوله ﴿ الذين لعنهم الله ﴾ ليس معلوما للمخاطبين اتصاف المخبر عنهم بها اتصاف من اشتهر بها ؛ فالمقصود أن هؤلاء هم الذين إن سمعتم بقوم لعنهم الله فهم هم .
ويجوز أن يكون المسلمون قد علموا أن اليهود ملعونون ، فالمقصود من الصلة هو ما عطف عليها بقوله ﴿ ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ﴾ . والموصول على كلا الاحتمالين فيه إيماء إلى تعليل الإخبار الضمني عنهم : بأنهم لا نصير لهم ، لأنهم لعنهم الله ، والذي يلعنه لا نصير له . وهذا مقابل قوله في شأن المسلمين ﴿ والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ﴾ ( النساء : 45 ) .