والطاغوت : الأصنام كذا فسره الجمهور هنا ونقل عن مالك بن أنس . وهو اسم يقع على الواحد والجمع فيقال : للصنم طاغوت وللأصنام طاغوت ، فهو نظير طفل وفلك . ولعل التزام اقترانه بلام تعريف الجنس هو الذي سوغ إطلاقه على الواحد والجمع نظير الكتاب والكتب . ثم لما شاع ذلك طردوه حتى في حالة تجرده عن اللام ، قال تعالى : ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ﴾ ( النساء : 60 ) فأفرده ، وقال : ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها ﴾ ( الزمر : 17 ) ، وقال : ﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم ﴾ ( البقرة : 257 ) الخ . وهذا الاسم مشتق من طغى يطغو إذا تعاظم وترفع ، وأصله مصدر بوزن فعلوت للمبالغة ، مثل : رهبوت ، وملكوت ، ورحموت ، وجبروت ، فأصله طغووت فوقع فيه قلب مكاني بتقديم لام الكلمة على عينها فصار طوغوت بوزن فلعوت ، والقصد من هذا القلب تأتي إبدال الواو ألفا بتحركها وانفتاح ما قبلها ، وهم قد يقلبون حروف الكلمة ليتأتى الإبدال كما قلبوا أرءام جمع ريم إلى آرام ليتأتى إبدال الهمزة الثانية الساكنة ألفا بعد الأولى المفتوحة ، وقد ينزلون هذا الاسم منزلة المفرد فيجمعونه جمع تكسير على طواغيت ووزنه فعاليل ، وورد في الحديث : ( لا تحلفوا بالطواغيت ) . وفي كلام ابن المسيب في ( صحيح البخاري ) : البحيرة التي يمنع درها للطواغيت .
وقد يطلق الطاغوت على عظيم أهل الشرك كالكاهن ، لأنهم يعظمونه لأجل أصنامهم ، كما سيأتي في قوله تعالى : { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت في هذه السورة ( النساء : 60 ) .
والآية تشير إلى ما وقع من بعض اليهود ، وفيهم كعب بن الأشرف ، وحيي بن أخطب ، فإنهم بعد وقعة أحد طمعوا أن يسعوا في استئصال المسلمين ، فخرجوا إلى مكة ليحالفوا المشركين على قتال المسلمين ، فنزل كعب عند أبي سفيان ، ونزل بقيتهم في دور قريش ، فقال لهم المشركون ( أنتم أهل كتاب ولعلكم أن تكونوا أدنى إلى محمد وأتباعه منكم إلينا فلا نأمن مكركم ) فقالوا لهم ( إن عبادة الأصنام أرضى عند الله مما يدعو إليه محمد وأنتم أهدى سبيلا ) فقال لهم المشركون ( فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ) ففعلوا ، ونزلت هذه الآية إعلاما من الله لرسوله بما بيته اليهود وأهل مكة .
واللام في قوله للذين كفروا } لام العلة ، أي يقولون لأجل الذين كفروا وليس لام تعدية فعل القول ، وأريد بهم مشركو مكة وذلك اصطلاح القرآن في إطلاق صفة الكفر