والوراء هنا بمعنى غير ودون ، كقول النابغة :
وليس وراء الله للمرء مذهب
وهو مجاز ؛ لأن الوراء هو الجهة التي هي جهة ظهر ما يضاف إليه . والكلام تمثيل لحال المخاطبين بحال السائر يترك ما وراءه ويتجاوزه .
والمعنى : أحل لكم ما عدا أولئكم المحرمات ، وهذا أنزل قبل تحريم ما حرمته السنة نحو ( لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ) ، ونحو ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) .
وقوله : ﴿ أن تبتغوا بأموالكم ﴾ يجوز أن يكون بدل اشتمال من ( ما ) باعتبار كون الموصول مفعولا ل ( أحل ) ، والتقدير : أن تبتغوهن بأموالكم فإن النساء المباحات لا تحل إلا بعد العقد وإعطاء المهور ، فالعقد هو مدلول ( تبتغوا ) ، وبذل المهر هو مدلول ( بأموالكم ) ، ورابط الجملة محذوف : تقديره أن تبتغوه ، والاشتمال هنا كالاشتمال في قول النابغة :
مخافة عمرو أن تكون جياده
يقدن إلينا بين حاف وناعل
ويجوز أن يجعل ﴿ أن تبتغوا ﴾ معمولا للام التعليل محذوفة ، أي أحلهن لتبتغوهن بأموالكم ، والمقصود هو عين ما قرر في الوجه الأول .
و ﴿ محصنين ﴾ حال من فاعل ( تبتغوا ) أي محصنين أنفسكم من الزنى ، والمراد متزوجين على الوجه المعروف . ﴿ غير مسافحين ﴾ حال ثانية ، والمسافح الزاني ، لأن الزنى يسمى السفاح ، مشتقا من السفح ، وهو أن يهراق الماء دون حبس ، يقال : سفح الماء . وذلك أن الرجل والمرأة يبذل كل منهما للآخر ما رامه منه دون قيد ولا رضى ولي ، فكأنهم اشتقوه من معنى البذل بلا تقيد بأمر معروف ؛ لأن المعطاء يطلق عليه السفاح . وكان الرجل إذا أراد من المرأة الفاحشة يقول لها : سافحيني ، فرجع معنى السفاح إلى التباذل وإطلاق العنان ، وقيل : لأنه بلا عقد ، فكأنه سفح سفحا ، أي صبا لا يحجبه شيء ، وغير هذا في اشتقاقه لا يصح ، لأنه لا يختص بالزنى .