وقوله : ﴿ من قبل أن نطمس وجوها ﴾ تهديد أو وعيد ، ومعنى : ﴿ من قبل أن نطمس ﴾ أي آمنوا في زمن يبتدىء من قبل الطمس ، أي من قبل زمن الطمس على الوجوه ، وهذا تهديد بأن يحل بهم أمر عظيم ، وهو يحتمل الحمل على حقيقة الطمس بأن يسلط الله عليهم ما يفسد به محياهم فإن قدرة الله صالحة لذلك ، ويحتمل أن يكون الطمس مجازا على إزالة ما به كمال الإنسان من استقامة المدارك فإن الوجوه مجامع الحواس .
والتهديد لا يقتضي وقوع المهدد به ، وفي الحديث ( أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله وجهه وجه حمار ) .
وأصل الطمس إزالة الآثار الماثلة . قال كعب :
عرضتها طامس الأعلام مجهول
وقد يطلق الطمس مجازا على إبطال خصائص الشيء المألوفة منه . ومنه طمس القلوب أي إبطال آثار التميز والمعرفة منها .
وقوله : ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ عطف لمجرد التعقيب لا للتسبب ؛ أي من قبل أن يحصل الأمران : الطمس والرد على الأدبار ، أي تنكيس الرؤوس إلى الوراء ، وإن كان الطمس هنا مجازا وهو الظاهر ، فهو وعيد بزوال وجاهة اليهود في بلاد العرب ، ورميهم بالمذلة بعد أن كانوا هناك أعزة ذوي مال وعدة ، فقد كان منهم السموأل قبل البعثة ، ومنهم أبو رافع تاجر أهل الحجاز ، ومنهم كعب بن الأشرف ، سيد جهته في عصر الهجرة .
والرد على الأدبار على هذا الوجه : يحتمل أن يكون مجازا بمعنى القهقرى ، أي إصارتهم إلى بئس المصير ؛ ويحتمل أن يكون حقيقة وهو رد هم من حيث أتوا ، أي إجلاؤهم من بلاد العرب إلى الشام .
والفاء على هذا الوجه للتعقيب والتسبب معا ، والكلام وعيد ، والوعيد حاصل ، فقد رماهم الله بالذل ، ثم أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم وأجلاهم عمر بن الخطاب إلى أذرعات .