تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| 2 ( 47 ) ﴿ ياأيهآ الذين أوتوا الكتاب ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ أو نلعنهم كما لعنآ أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا ﴾ . ) 2

أقبل على خطاب أهل الكتاب الذين أريد بهم اليهود بعد أن ذكر من عجائب ضلالهم ، وإقامة الحجة عليهم ، ما فيه وازع لهم لو كان بهم وزع ، وكذلك شأن القرآن أن لا يفلت فرصة تعن من فرص الموعظة والهدى إلا انتهزها ، وكذلك شأن الناصحين من الحكماء والخطباء أن يتوسموا أحوال تأثر نفوس المخاطبين ومظان ارعوائها عن الباطل ، وتبصرها في الحق ، فينجدوها حينئذ بقوارع الموعظة والإرشاد ، كما أشار إليه الحريري في المقامة ( 11 ) إذ قال : ( فلما ألحدوا الميت ، وفات قول ليت ، أشرف شيخ من رباوة ، متأبطا لهراوة ، فقال : لمثلل هذا فليعمل العاملون ) الخ ، لذلك جيء بقوله : ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم ﴾ الآية عقب ما تقدم .

وهذا موجب اختلاف الصلة هنا عن الصلة في قوله : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ﴾ ( آل عمران : 23 ) لأن ذلك جاء في مقام التعجيب والتوبيخ فناسبته صلة مؤذنة بتهوين شأن علمهم بما أوتوه من الكتاب ، وما هنا جاء في مقام الترغيب فناسبته صلة تؤذن بأنهم شرفوا بإيتاء التوراة لتثير هممهم للاتسام بميسم الراسخين في جريان أعمالهم على وفق ما يناسب ذلك ، وليس بين الصلتين اختلاف في الواقع لأنهم أوتوا الكتاب كله حقيقة باعتبار كونه بين أيديهم ، وأوتوا نصيبا منه باعتبار جريان أعمالهم على خلاف ما جاء به كتابهم ، فالذي لم يعملوا به منه كأنهم لم يؤتوه .

وجيء بالصلتين في قوله : ﴿ بما نزلنا ﴾ وقوله : ( بما معكم ) دون الإسمين العلمين ، وهما : القرآن والتوراة : لما في قوله : ﴿ بما نزلنا ﴾ من التذكير بعظم شأن القرآن أنه منزل بإنزال الله ، ولما في قوله : ﴿ لما معكم ﴾ من التعريض بهم في أن التوراة كتاب مستصحب عندهم لا يعلمون منه حق علمه ولا يعملون بما فيه ، على حد قوله : ﴿ كمثل الحمار يحمل أسفارا ﴾ ( الجمعة : 5 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٥ · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٥ · ص ٧٨