وقوله : ﴿ الوالدان ﴾ استئناف بياني بين به المراد في ( موالي ) ، ويصلح أن يبين به كل المقدر له مضاف . تقديره : لكل تارك . وتبيين كلا اللفظين سواء في المعنى ، لأن التارك : والد أو قريب ، والموالي : والدون أو قرابة . وفي ذكر ﴿ الوالدان ﴾ غنية عن ذكر الأبناء لتلازمهما ، فإن كان الوالدان من الورثة فالهالك ولد وإلا فالهالك والد . والتعريف في ﴿ الوالدان والأقربون ﴾ عوض عن مضاف إليه أي : والداهم وأقربوهم ، والمضاف إليه المحذوف يدل عليه الموالي ، وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئا عن قوله : ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ ( النساء : 32 ) ، أي ولكل من الصنفين جعلنا موالي يرثونه ، وهو الجعل الذي في آيات المواريث .
والتقدير الثاني : ولكل شيء مما تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي ، أي قوما يلونه بالإرث ، أي يرثونه ، أي يكون تراثا لهم ، فيكون المضاف إليه المحذوف اسما نكرة عاما يبين نوعه المقام ، ويكون ﴿ مما ترك ﴾ بيانا لما في تنوين ( كل ) من الإبهام ، ويكون ﴿ والأقربون ﴾ فاعلا ( لترك ) .
وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئا عن قوله : ﴿ ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ ( النساء : 32 ) أي في الأموال ، أي ولكل من الذين فضلنا بعضهم على بعض جعلنا موالي يؤول إليهم المال ، فلا تتمنوا ما ليس لكم فيه حق في حياة أصحابه ، ولا ما جعلناه للموالي بعد موت أصحابه .
التقدير الثالث : ولكل منكم جعلنا موالي ، أي عاصبين من الذين تركهم الوالدان ، مثل الأعمام والأجداد والأخوالل ، فإنهم قرباء الأبوين ، ومما تركهم الأقربون مثل أبناء الأعمام وأبنائهم وإن تعددوا ، وأبناء الأخوات كذلك ، فإنهم قرباء الأقربين ، فتكون الآية مشيرة إلى إرجاع الأموال إلى العصبة عند الجمهور ، وإلى ذوي الأرحام عند بعض الفقهاء ، وذلك إذا انعدم الورثة الذين في آية المواريث السابقة ، وهو حكم مجمل بينه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجلل ذكر ) ، وقوله : ( ابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم ) رواه أبو داود والنسائي ، وقوله : ( الخال وارث من لا وارث له ) أخرجه أبو داود والترمذي ، وقوله تعالى : ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ ( الأنفال : 75 ) ، وبذلك أخذ أبو حنيفة ، وأحمد ، وعليه ف ( ما ) الموصولة في قوله : ﴿ مما ترك ﴾ بمعنى ( من ) الموصولة ، ولا بدع في ذلك . وهذا