ما يكرهونه ، ويرون ذلك من إباء الضيم ، ويرون ذلك حقا عليهم ، ويعدون التقصير في ذلك مسبة وعارا يقضي منه العجب . قال مرة بن عداء الفقسي :
رأيت موالي الآلى يخذلونني
على حدثان الدهر إذ يتقلب
ويعدون الاهتمام بالآباء والأبناء في الدرجة الثانية ، حتى يقولون في الدعاء : ( فذاك أبي وأمي ) ، فكانت الآية تبطل هذه الحمية وتبعث المسلمين على الانتصار للحق والدفاع عن المظلوم . فإن أبيت إلا جعل الأنفس بمعنى ذوات الشاهدين فاجعل عطف ( الوالدين والأقربين ) بعد ذلك لقصد الاحتراس لئلا يظن أحد أنه يشهد بالحق على نفسه لأن ذلك حقه ، فهو أمير نفسه فيه ، وأنه لا يصلح له أن يشهد على والديه أو أقاربه لما في ذلك من المسبة والمعرة أو التأثم ، وعلى هذا تكون الشهادة مستعملة في معنى مشترك بين الإقرار والشهادة ، كقوله : ﴿ شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط ﴾ ( آل عمران : 18 ) .
وقوله ﴿ إن يكن غنيا أو فقيرا ﴾ استئناف واقع موقع العلة لمجموع جملة ﴿ كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ﴾ : أي إن يكن المقسط في حقه ، أو المشهود له ، غنيا أو فقيرا ، فلا يكن غناه ولا فقره سببا للقضاء له أو عليه والشهادة له أو عليه . والمقصود من ذلك التحذير من التأثر بأحوال يلتبس فيها الباطل بالحق لما يحف بها من عوارض يتوهم أن رعيها ضرب من إقامة المصالح ، وحراسة العدالة ، فلما أبطلت الآية التي قبلها التأثر للحمية أعقبت بهذه الآية لإبطال التأثر بالمظاهر التي تستجلب النفوس إلى مراعاتها فيتمحض نظرها إليها . وتغضي بسببها عن تمييز الحق من الباطل . وتذهل عنه ، فمن النفوس من يتوهم أن الغنى يربأ بصاحبه عن أخذ حق غيره ، يقول في نفسه : هذا في غنية عن أكل حق غيره ، وقد أنعم الله عليه بعدم الحاجة . ومن الناس من يميل إلى الفقير رقة له ، فيحسبه مظلوما ، أو يحسب أن القضاء له بمال الغني لا يضر الغني شيئا ؛ فنهاهم الله عن هذه التأثيرات بكلمة جامعة وهي قوله : ﴿ إن يكن غنيا أو فقيرا فاللها أولى بهما ﴾ . وهذا الترديد صالح لكل من أصحاب هذين التوهمين ، فالذي يعظم الغني يدحض لأجله حق الفقير ، والذي يرق للفقير يدحض لأجله حق الغني ، وكلا ذلك باطل ، فإن الذي يراعي حال الغني والفقير ويقدر إصلاح حال الفريقين هو الله تعالى .