تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقوله : ﴿ فالله أولى بهما ﴾ ليس هو الجواب ، ولكنه دليله وعلته ، والتقدير : فلا يهمكم أمرهما عند التقاضي ، فالله أولى بالنظر في شأنهما ، وإنما عليكم النظر في الحق .

ولذلك فرع عليه قوله : ﴿ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ﴾ فجعل الميل نحو الموالي والأقارب من الهوى ، والنظر إلى الفقر والغنى من الهوى .

والغني : ضد الفقير ، فالغنى هو عدم إلى الاحتياج إلى شيء ، وهو مقول عليه بالتفاوت ، فيعرف بالمتعلق كقوله : ( كلانا غني عن أخيه حياته ) ، ويعرف بالعرف يقال : فلان غني ، بمعنى له ثروة يستطيع بها تحصيل حاجاته من غير فضل لأحد عليه ، فوجدان أجور الأجراء غنى ، وإن كان المستأجر محتاجا إلى الأجراء ، لأن وجدان الأجور يجعله كغير المحتاج ، والغنى المطلق لا يكون إلا لله تعالى .

والفقير : هو المحتاج إلا أنه يقال افتقر إلى كذا ، بالتخصيص ، فإذا قيل : هو فقير ، فمعناه في العرف أنه كثير الاحتياج إلى فضل الناس ، أو إلى الصبر على الحاجة لقلة ثروته ، وكل مخلوق فقير فقرا نسبيا ، قال تعالى : ﴿ والله الغني وأنتم الفقراء ﴾ ( محمد : 38 ) .

واسم ﴿ يكن ﴾ ضمير مستتر عائد إلى معلوم من السياق ، يدل عليه قوله : ﴿ قوامين بالقسط شهداء لله ﴾ من معنى التخاصم والتقاضي . والتقدير : أن يكن أحد الخصمين من أهل هذا الوصف أو هذا الوصف ، والمراد الجنسان ، و ( أو ) للتقسيم ، وتثنية الضمير في قوله : ﴿ فالله أولى بهما ﴾ لأنه عائد إلى ( غنيا وفقيرا ) باعتبار الجنس ، إذ ليس القصد إلى فرد معين ذي غني ، ولا إلى فرد معيين ذي فقر ، بل فرد شائع في هذا الجنس وفي ذلك الجنس .

وقوله : ﴿ أن تعدلوا ﴾ محذوف منه حرف الجر ، كما هو الشأن مع أن المصدرية ، فاحتمل أن يكون المحذوف لام التعليل فيكون تعليلا للنهي ، أي لا تتبعوا الهوى لتعدلوا ، واحتمل أن يكون المحذوف ( عن ) ، أي فلا تتبعوا الهوى عن العدل ، أي معرضين عنه . وقد عرفت قاضيا لا مطعن في ثقته وتنزهه ، ولكنه كان مبتلى باعتقاد أن مظنة القدرة والسلطان ليسوا إلا ظلمة : من أغنياء أو رجال . فكان يعتبر هذين الصنفين محقوقين فلا يستوفي التأمل من حججهما .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٥ · الصفحة ٢٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٥ · ص ٢٢٧