والقسط العدل ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ﴿ قائما بالقسط ﴾ في سورة آل عمران ( 18 ) . وعدل عن لفظ العدل إلى كلمة القسط لأن القسط كلمة معربة أدخلت في كلام العرب لدلالتها في اللغة المنقولة منها على العدل في الحكم ، وأما لفظ العدل فأعم من ذلك ، ويدل لذلك تعقيبه بقوله : ﴿ شهداء لله ﴾ فإن الشهادة من علائق القضاء والحكمم .
و ﴿ لله ﴾ ظرف مستقر حال من ضمير ﴿ شهداء ﴾ أي لأجل الله ، وليست لام تعدية ﴿ شهداء ﴾ إلى مفعوله ، ولم يذكر تعلق المشهود له بمتعلقه وهو وصف ﴿ شهداء ﴾ لإشعار الوصف بتعيينه ، أي المشهود له بحق . وقد جمعت الآية أصلي التحاكم ، وهما القضاء والشهادة .
وجملة ﴿ ولو على أنفسكم ﴾ حالية ، و ( لو ) فيها وصلية ، وقد مضى القول في تحقيق موقع ( لو ) الوصلية عند قوله تعالى : ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ﴾ في سورة آل عمران ( 91 ) .
ويتعلق ﴿ على أنفسكم ﴾ بكل من ﴿ قوامين ﴾ و ﴿ شهداء ﴾ ليشمل القضاء والشهادة .
والأنفس : جمع نفس ؛ وأصلها أن تطلق على الذات ، ويطلقها العرب أيضا على صميم القبيلة ، فيقولون : هو من بني فلان من أنفسهم .
فيجوز أن يكون ﴿ أنفسكم ﴾ هنا بالمعنى المستعمل به غالبا ، أي : قوموا بالعدل على أنفسكم ، واشهدوا لله على أنفسكم ، أي قضاء غالبا لأنفسكم وشهادة غالبة لأنفسكم ، لأن حرف ( على ) مؤذن بأن متعلقة شديد فيه كلفة على المجرور بعلى ، أي ولو كان قضاء القاضي منكم وشهادة الشاهد منكم بما فيه ضر وكراهة للقاضي والشاهد ، وهذا أقصى ما يبالغ عليه في الشدة والأذى ، لأن أشق شيء على المرء ما يناله من أذى وضر في ذاته ، ثم ذكر بعد ذلك الوالدان والأقربون لأن أقضية القاضي وشهادة الشاهد فيما يلحق ضرا ومشقة بوالديه وقرابته أكثر من قضائه وشهادته فيما يؤول بذلك على نفسه .
ويجوز أن يراد : ولو على قيبلتكم أو والديكم وقرابتكم . وموقع المبالغة المستفادة من ( لو ) الوصلية أنه كان من عادة العرب أن ينتصروا بمواليهم من القبائل ويدفعوا عنهم