وجملة ( وهو محسن ) حال قصد منها اتصافه بالإحسان حين إسلامه وجهه لله ، أي خلع الشرك قاصدا الإحسان ، أي راغبا في الإسلام لما رأى فيه من الدعوة إلى الإحسان . ومعنى ﴿ واتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴾ أنه اتبع شريعة الإسلام التي هي على أسس ملة إبراهيم . فهذه ثلاثة أوصاف بها يكمل معنى الدخول في الإسلام ، ولعلها هي : الإيمان ، والإحسان ، والإسلام . ولك أن تجعل معنى ﴿ أسلم وجهه لله ﴾ أنه دخل في الإسلام ، وأن قوله : ﴿ وهو محسن ﴾ مخلص راغب في الخير ، وأن اتباع ملة إبراهيم عني به التوحيد . وتقدم أن ﴿ حنيفا ﴾ معناه مائلا عن الشرك أو متعبدا . وإذا جعلت معنى قوله : ﴿ وهو محسن ﴾ أي عامل الصالحات كان قوله : ﴿ واتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴾ بمنزلة عطف المرادف وهو بعيد .
وقوله : ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلا ﴾ عطف ثناء إبراهيم على مدح من اتبع دينه زيادة تنويه بدين إبراهيم ، فأخبر أن الله اتخذ إبراهيم خليلا . والخليل في كلام العرب الصاحب الملازم الذي لا يخفى عنه شيء من أمور صاحبه ، مشتق من الخلال ، وهو النواحي المتخللة للمكان ﴿ فترى الودق يخرج من خلاله ﴾ ( النور : 43 ) ﴿ فجرنا خلالهما نهرا ﴾ ( الكهف : 33 ) . هذا أظهر الوجوه في اشتقاق الخليل . ويقال : خل وخل بكسر الخاء وضمها ومؤنثه : خلة بضم الخاء ، ولا يقال بكسر الخاء ، قال كعب :
أكرم بها خلة لو أنها صدقت
وجمعها خلائل . وتطلق الخلة بضم الخاء على الصحبة الخالصة ﴿ لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ﴾ ( البقرة : 254 ) ، وجمعها خلال ﴿ من قبلل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ﴾ ( إبراهيم : 31 ) . ومعنى اتخاذ الله إبراهيم خليلا شدة رضى الله عنه ، إذ قد علم كل أحد أن الخلة الحقيقية تستحيل على الله فأريد لوازمها وهي الرضى ، واستجابة الدعوة ، وذكره بخير ، ونحو ذلك .
وجملة ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ الخ تذييل جعل كالاحتراس ، على أن المراد بالخليل لازم معنى الخلة ، وليست هي كخلة الناس مقتضية المساواة أو التفضيل ، فالمراد منها الكناية عن عبودية إبراهيم في جملة ﴿ ما في السموات وما في الأرض ﴾ . والمحيط : العليم .