بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } . ثم إن الله لوح إلى فلج حجة المسلمين بإشارة قوله : ﴿ وهو مؤمن ﴾ فإن كان إيمان اختل منه بعض ما جاء به الدين الحق ، فهو كالعدم ، فعقب هذه الآية بقوله : ﴿ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه الله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴾ ( النساء : 125 ) . والمعنى أن الفوز في جانب المسلمين ، لا لأن أمانيهم كذلك ، بل لأن أسباب الفوز والنجاة متوفرة في دينهم . وعن عكرمة : قالت اليهود والنصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان منا . وقال المشركون : لا نبعث .
والباء في قوله : ﴿ بأمانيكم ﴾ للملابسة ، أي ليس الجزاء حاصلا حصولا على حسب أمانيكم ، وليست هي الباء التي تزاد في خبر ليس لأن أماني المخاطبين واقعة لا منفية .
والأماني جمع أمنية ، وهي اسم للتمني ، أي تقدير غير الواقع واقعا . والأمنية بوزن أفعولة كالأعجوبة . وقد تقدم ذلك في تفسير قوله تعالى : ﴿ لا يعلمون الكتاب إلا أماني ﴾ في سورة البقرة ( 78 ) . وكأن ذكر المسلمين في الأماني لقصد التعميم في تفويض الأمور إلى ما حكم الله ووعد ، وأن ما كان خلاف ذلك لا يعتد به . وما وافقه هو الحق ، والمقصد المهم هو قوله : ﴿ ولا أماني أهل الكتاب ﴾ على نحو : ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ ( سبأ : 24 ) فإن اليهود كانوا في غرور ، يقولون : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة . وقد سمى الله تلك أماني عند ذكره في قوله : ﴿ وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ﴾ ( البقرة : 80 ) ﴿ تلك أمانيهم ﴾ ( البقرة : 111 ) . أما المسلمون فمحاشون من اعتقاد مثل ذلك .
وقيل : الخطاب لكفار العرب ، أي ليس بأماني المشركين ، إذ جعلوا الأصنام شفعاءهم عند الله ، ولا أماني أهل الكتاب الذين زعموا أن أنبياءهم وأسلافهم يغنون عنهم من عذاب الله ، وهو محمل للآية .
وقوله : ﴿ ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ﴾ زيادة تأكيد ، لرد عقيدة من يتوهم أن أحدا يغني عن عذاب الله .
والولي هو المولى ، أي المشارك في نسب القبيلة ، والمراد به المدافع عن قريبه ، والنصير الذي إذا استنجدته نصرك ، أو الحليف ، وكان النصر في الجاهلية بأحد هذين النوعين .